عون – باسيل والنزوح من "اللبنانية" إلى حلف الأقليات

عون – باسيل والنزوح من "اللبنانية" إلى حلف الأقليات
عون – باسيل والنزوح من "اللبنانية" إلى حلف الأقليات

كتب منير الربيع في المدن:

هاجس "التغرّب" - أي التطبّع بالشكلي من قيم الغرب - يسكن اللبنانيين، مسؤولين ومواطنين. وهو أمر محمود في كثير من الأمور. لكن في الآونة الأخيرة برزت طفرة تقيلد الغرب بشكل لافت ومطرد، من النوع الرديء، أي تلك التي في جوهرها تنسجم مع تنامي اليمين الشعبوي الأوروبي والأميركي، وتتناغم مع تزايد نزعة العنصرية، وتفاقم التعصب "القومي" والرهاب من المهاجرين..

عون -
لم يكن وصول رئيس الجمهورية إلى سدة الرئاسة مصادفة، في غمرة توقيع الاتفاق النووي بين والغرب، وفي ظل تصاعد نزعة اليمين المتطرف في العالم. وليس بسيطاً أن يصل عون بالتزامن مع إعادة تجديد حكم العسكر في كثرة من دول المنطقة، لما يمثله العسكر من علاقات مع الغرب، وتجديد "الاستقرار" في الدول التي تشهد توترات وثورات.

وفي قراءة بسيطة وسطحية لأسماء زعماء الدول، يتضح مدى الترابط بين كل هذه الأحداث: من دونالد ترامب في الأميركية، إلى بوريس جونسون في ، وزيادة نسبة نواب اليمين في الاتحاد الأوروبي، وربطاً بنزعات أقلوية في منطقة الشرق الأوسط، وتغليب منطق الحفاظ على الأنظمة على حساب الشعوب، وفي ضوء ما يحصل من تطورات وتوترات بين الأميركيين والإيرانيين ستصل في النهاية إلى حدود ترتيب العلاقة على أساس اتفاق معين.

لقاء الأقليات المشرقي
هاجس التغرّب بنسخته الرديئة يتجلى أكثر فأكثر في ، من خلال عقد مؤتمر دولي، بدعوة من اللقاء المشرقي، بعد شهرين من اليوم. تنضوي في عضوية هذا اللقاء الذي يترأسه الوزير ، شخصيات قريبة منه ومن "عمه" رئيس الجمهورية، كنائب رئيس مجلس النواب إيلي الفرزلي، والوزير سليم جريصاتي، وكريم بقرادوني، وعبد الله بوحبيب، وحبيب أفرام وغيرهم، من المعروفين بالتوجهات الأقلوية.

يعقد المؤتمر تحت عنوان: "لقاء صلاة فطور، الحوار نهج وطريق سلام، عن إشكاليات التعددية والحريات". وينقسم المؤتمر إلى قسمين - عنوانين: الأول استنساخ كامل لأعمال نشاطين تقليديين أميركيين. فصلاة الفطور هو تقليد أميركي يتبعه أي رئيس للولايات المتحدة الأميركية، بعقده لقاءات مع شخصيات من دول العالم المختلفة، وتُناقش فيها أفكار متعددة. أما القسم الثاني، والذي يختصره الحوار نهج وطريق السلام والبحث في إشكالية التعددية والحريات، فهو مستنسخ عن مؤتمر حوار الأديان الذي دعا إليه قبل مدة قصيرة وزير الخارجية الأميركية مايك بومبيو، وشارك فيه الوزير جبران باسيل.

يبرز هنا مدى التشبه بالأميركيين، إذ يحضر رئيس الجمهورية صلاة الفطور وتعقد حلقات النقاش، بينما وزير الخارجية يترأس الحوار لتعبيد طريق السلام والبحث في إشكاليات التعددية والحريات. وبذلك هناك من يقول للأميركيين إنه يتطبع بتوجهاتهم وتقاليدهم. وقد يكون لهذا التطبع غاية استراتيجية: حاجة دائمة للبحث عن استمرار هذا النهج وديمومته وأصحابه اللبنانيين، استناداً إلى قوة دولية داعمة له.

مجلس شورى
ومن أوجه التشبه والتطبع، أن أركان اللقاء التشاوري يريدون إضفاء نظرة "فكرية واستراتيجية" على أنشطتهم، ليظهروا بوصفهم منظرين في السياسة والأفكار العامة، من دون غرقهم في التفاصيل السياسية. كأنهم مجلس شورى استراتيجي يطرح الأفكار، ويسلّمها للسياسيين لتنفيذها. وهذا يشبه إلى حدّ بعيد بعض ما يشاهده المرء في الأفلام الهوليودية، عن القوة الخارقة الخفية التي تنتج الأفكار لينفذها السياسيون. سيوجه اللقاء الدعوات للكثير من الشخصيات الغربية، الأميركية والأوروبية تحديداً، من بينهم نواب يهتمون بأوضاع الشرق الأوسط، وحريصون على منطق الأقليات وتعزيز دورها. وسيشارك في اللقاء ممثلون عن الكرد والأيزيديين والبهائيين والعلويين وغيرهم من الأقليات في المنطقة، إضافة إلى نخبة من المسيحيين والشيعة والسنّة، وسيتم دعوة مركز الملك عبد الله لحوار الأديان والثقافات، ودعوة شخصيات من إيران.

موسكو -
الصورة الأساسية التي يريد اللقاء إظهارها للبنان من خلال هذا المؤتمر، هي أنه ساحة لتلاقي الأفكار والأديان، وأرض للحوار بين الحضارات والثقافات. ولكن الأساس الذي يرتكز عليه يمكن استشرافه من إسمه، الذي ينسجم مع طرح أعلنه وزير الخارجية اللبناني جبران باسيل من موسكو، حينما تحدث عن تحالف مشرقي، وهي عبارة ملطّفة لتحالف الأقليات، التي شكر رئيس الجمهورية ميشال عون الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على حمايتها.

لا ينفصل المؤتمر ولا عنوانه أو طروحاته عن مواقف عديدة لأركان اللقاء، وهي تتعلق بضرورة حماية الأقليات، أو الانطلاق من مبدأ عدم الخلاف الأيديولوجي مع إسرائيل، وحقها أن تعيش بسلام في هذه المنطقة، من دون أن تعتدي على أحد.

أخطر ما هذا المؤتمر أنه يضع مسيحيي لبنان وكأنهم في حال مشابهة لـ"الأقليات" المضطربة المصير والهوية. وكأن العونية – الباسيلية ترى أن الهوية اللبنانية وكيانيتها موضع تساؤل أو تشكيك. فهل يا ترى سيأتي يوم وتعلن الباسيلية مثلاً عن "حق المسيحيين اللبنانيين بتقرير المصير".

حكم ذاتي وتقرير مصير
يمثل هذا إشارة أولى لإطلاق علني من هذا النوع، للقاء سيكون اهتمامه أن يضع اللبنة الأولى لتحالف الأقليات، تحت شعارات متعددة، هدفها الحصول على الدور السياسي والتأثير الذي تطمح إليه في هذه المنطقة.. مثل مبدأ "إستعادة حقوق المسيحيين" في لبنان، وعودتهم مقرّين ومؤثرين في مجريات السياسة، أو بإشاعة شعارات أخرى خارج لبنان، كحق الأقليات في تقرير مصيرها، أو بالحكم الذاتي. وتبقى أهمية هذا اللقاء لدى المهتمين بعقده وتأمين استمراريته الفكرية والسياسية، هي في الالتقاء مع القوى الغربية على المبدأ الأساسي، بمعزل عن الخلافات السياسية التفصيلية التي تخيّم اليوم، كما هي الحال بين أميركا وإيران، أو غيرهما. وذلك على قاعدة أن هذا اللقاء وأفكاره، هي مقدّمة للجمع بين هذه القوى المتصارعة، ليبقى اجتماع الأقليات وتحالفها أقوى من كل الخلافات السياسية. ويمثّل تشبهاً بـ"غرب" محدد، يطمئنه، ويتلاقى مع سياسته ومصالحه، أي الغرب الذي هو على شاكلة ترامب وماري لوبان وجونسون.. "غرب" يستأنس في نهاية المطاف ببوتين والأسد وخامنئي.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق هذا ما ينتظره الفلسطينيون من جلسة الحكومة
التالى لبنان وقبرص يتقاسمان النفط... هل تسكت تركيا؟



 

Charisma Ceramic