شاهِد الفيلم عدة مرات لتكتشف أسراره الخفية.. خطوات كتابة المراجعة السينمائية

شاهِد الفيلم عدة مرات لتكتشف أسراره الخفية.. خطوات كتابة المراجعة السينمائية
شاهِد الفيلم عدة مرات لتكتشف أسراره الخفية.. خطوات كتابة المراجعة السينمائية

في المدارس الإعدادية والثانوية من المهم اكتساب مهارات كتابة المقالات من مختلف الأنواع، بما في ذلك مراجعات الأفلام الطويلة التي تمت مشاهدتها. ستساعد تلك المهارات، وفقاً للمعيار التعليمي الذي تنص عليه الهيئات الحكومية لكل دولة، ليس فقط في تطوير الكلام والمنطق والقدرة على مقارنة الأعمال المختلفة، ولكن أيضاً تطوير القدرات الإبداعية للطلاب، بالإضافة إلى ذلك ستساعدك القدرة على كتابة المقالات بأنواع مختلفة على الاستعداد بشكل أفضل للمشاركة في المسابقات الأدبية، والاستعداد للقبول في إحدى الجامعات للتخصصات الإبداعية.

في المرحلة الأولى من تعلم كيفية كتابة مراجعة نقدية لفيلم روائي طويل، يجب على الكاتب أن يشاهد العمل ثلاث مرات على الأقل، المشاهدة الأولى تكون مشاهدة "المستمتع"، أو المشاهدة العادية كأي متفرج عادي، المشاهدة الثانية تركز فيها على الجوانب الفنية، والمشاهدة الثالثة تُخصصها للجوانب التقنية. 

شرح كيف تختلف رؤية المخرج عن موقف مؤلف النص (إذا كانت هناك اختلافات كبيرة)، ما هو التصوير السينمائي، والتقنيات، وكيف تساعد في فهم نية المخرج.

يعتمد مستوى صعوبة كتابة مقال عن فيلم روائي طويل على مستوى معرفة الكاتب بالمجال السينمائي، في المستقبل، عندما يتم تكوين المهارات اللازمة لمراجعة الأشرطة الطويلة سيكون من الممكن التكيّف مع الفيلم بشكل مستقل، وكتابة مراجعة عنه بكل سلاسة.

إليك عزيزي القارئ خطة مراجعة تقريبية (يمكن تغيير ترتيب النقاط في الخطة اعتماداً على كيفية بناء منطق تفكير الكاتب)، والتي أوظفها شخصياً في بناء مراجعة سليمة للأعمال الروائية الطويلة.

فيلم Spotlight كمثال 

  1. وصف العمل: الثيمة السينمائية الذي ينتمي إليها الفيلم، العنوان، في أي سنة تم تصوير الفيلم، وفي أي استوديو سينمائي

فيلم Spotlight هو عمل يدخل في خانة الأفلام الدرامية الصحفية التحقيقية، وعنوانه يمثل شرحاً غير مباشر لما ستُقدمه لنا أحداثه، أي أنه سيسلط الضوء على قضية اجتماعية أو سياسية بناء على جنسه الصحفي، العمل صدر سنة 2015، وهو من إنتاج شركة Universal. 

  1. نبذة مختصرة عن المؤلف، والمخرج، وطاقم التمثيل (الأدوار الرئيسية والثانوية) 

الفيلم من إخراج توماس ميكارثي، والذي عمل أيضاً كمؤلف وكاتب سيناريو لهذا الفيلم، إلى جانب الكاتب جوش سينجر، ومن تمثيل المخضرم مايكل كيتون، مارك رافلو، ريتشل ميك آدمز، بيف شرابير، جون سلاتير، ستاتلي توكسي، وبريان دارسي جيمس.

  1. حبكة العمل (باختصار مع محاولة ذكر الحلقات الأكثر حيوية) يناقش الفيلم أحد أهم التحقيقات الصحفية في تاريخ ، وكشف لنا أسراراً وفساداً من عمق الرمز الديني الكاثوليكي، المتمثل في الاعتداءات الجنسية المفتعلة بحق الأطفال، من قساوسة كاثوليك في أبرشيات بوسطن، وبطريقة دقيقة للغاية.
  1. النية الإبداعية للمؤلف وتنفيذه (الموضوع، الفكرة، المشاكل التي أثارها المؤلف، ما هي ملامح المخرج والفرق بين العمل والرواية إن كان مقتبساً)

لقد كان أمامَ توماس مكارثي تحدٍّ في مستوى خيالي لكي يطرح قضيةً بهذا الثقل، وبالنظر إلى سيرته الذاتية التي لم تكن لافتة للانتباه آنذاك، فقد راهن الكثيرون من داخل الوسط الفني على فشل الفيلم، خصوصاً أنه هو نفسه مَن يُمسك بلجام كتابة السيناريو إلى جانب الإخراج، وخصوصاً أن الفيلم مقتبس من أحداث حقيقية، لكن النتيجة كانت ترشيح الفيلم لـ6 جوائز أوسكار، وفوزه بجائزة أفضل سيناريو أصلي وأفضل فيلم. وحتى مع غياب الميلودراما فلم تنقص من قيمة الفيلم أي شيء، لأن المخرج توماس مكارثي التزم هو وفريقه بالحقائق، ما جعل اجتهادهم الوسواسي يؤثر على العمل ويجعله صادقاً قدر الإمكان.

  1. تقييم مهارة تصوير الأبطال والتمثيل

تم تمثيل الفيلم بشكل رائع من قِبل مارك روفالو، ومايكل كيتون، وراشيل ماك آدامز، وليف شرايبر، وبريان دارسي جيمس، ويمزج الفيلم بين صناعة الأفلام الجميلة والحقيقة ذات الواقعية المروعة. عندما يبدأ الفريق في إعادة النظر في ادّعاء سابق من سوء السلوك الجنسي داخل أبرشية بوسطن، ويكشف لنا عن الأساليب المختلفة التي تستخدمها الكنيسة للتستر على فضائحهم، وكيف تمكنوا من التلاعب بمؤيديهم للحفاظ على أسرارهم، ليغوصوا أكثر وأكثر مما توقعوا، حتى وجدوا أنفسهم في تعقب المزيد من الناجين، وسرعان ما أدركوا أن ما يقرب من 90 كاهناً في كنيسة بوسطن الكاثوليكية وحدها قد تم تغطية أعمالهم الإجرامية من قِبل الكنيسة الأم.

  1. مشاكل العمل 

رغم وجود عنصر المؤامرة، فإن الفيلم وُصف بأنه دراما مثيرة، لكن في الواقع تم تصوير الشريط بمقامات وثائقية، وأصبح هذا هو العيب الرئيسي للمشاهد الذي توقع رؤية قصة ملونة ومأساوية وواسعة النطاق عن إساءة معاملة الأطفال. لا أحد يستطيع مشاهدة مثل هذه الحالات بهدوء في الأخبار، وكيف يمكن للمخرجين إظهارها! لكن الفيلم لا يدور حول هذا على الإطلاق، القصة تظهر من منظور العمل الروتيني والمضني لصحفيي بوسطن غلوب: محادثات مستمرة، تأملات، تخمينات، مقابلات، ضحايا، محامون…

  1. تقنيات الكتابة، نتائج المخرج (تفسيرات إبداعية، انطباعات عن تصميم مكان الأحداث، المرافقة الموسيقية، المؤثرات الخاصة إن وجدت)

الفيلم بأكمله مقيد عاطفياً للغاية، وهو سرد هادئ إلى حدٍّ ما، وتحقيق لمأساة العالم، فقد تعامل الفيلم مع أساطيل من المعلومات، وبشكل صريح مقاوم لتكهنات الجهات اللاواعية بالموضوع، وهو ما أضفى مصداقيةً للبناء الدرامي، الذي حاكه المخرج بأسلوب سردٍ تقليدي، والذي كان مناسباً وموفقاً جداً في التعامل مع قضية بهذا الثقل، كما أنه لا يصرف الأبطال عن جوهر المشكلة، فهو ذو توجه اجتماعي مشرق. لا توجد موسيقى تصويرية مرعبة من شأنها أن تجعلني أنكمش من الإثارة بأفكار "ماذا سيحدث؟"، لكن بشكل عام كل شيء مناسب تماماً في هذا الفيلم.

  1. الرسائل الخفية (ما وراء سطور الفيلم من إسقاطات وإيماءات)

أشار الفيلم من زاوية أخرى إلى أن السلطة الرابعة تراقب العمليات السياسية للتأكد من أن اللاعبين السياسيين لا يسيئون استخدام الديمقراطية، كما وجّه الفيلم عدسة الكاميرا إلى صورة ضمان اتخاذ المواطنين خيارات مسؤولة ومستنيرة، بدلاً من التصرف بدافع الجهل أو التضليل، وتصوير جدية التدقيق في المعلومات، من خلال ضمان أن الممثلين المنتخبين يحافظون على يمينهم في المنصب، وينفذون رغبات أولئك الذين انتخبوهم، والنتيجة هي أن هذا الفيلم لم يمنحنا قصة أحادية المضمون فقط، بل أحاط أيضاً بالشرطة والهيئة التشريعية والسياسيين وجهاز السلطة في بوسطن، أي أن جذور الفيلم تتفرع داخل أركان اجتماعية وسياسية كبيرة.

  1. الانطباع الشخصي والتقييم النهائي

في كثير من الأحيان لا تُستخدم الصحافة، وهي أداة ذات قوة وأهمية كبيرة، على النحو الذي ينبغي أن تكون عليه. فإن فيلم spotlight قد أبان عن جدية المحققين الصحفيين الذين تصرّفوا بدافع الإحساس بالالتزام الأخلاقي تجاه مجتمعهم. وأظهر لنا كيف تبدو النزاهة الصحفية الحقيقية، ليتجاوز أهميته السينمائية، ويُسلط لنا الضوء على أن قلم الصحافة لا يخشى السلطات التي تورده، مهما كانت أهدافها صادمة.

 دون اللجوء إلى الميلودراما أو جنون العظمة أو البارانويا في بنائه الدرامي، فإن هذا الفيلم هو إنتاج صحفي، سرد لنا أحد أعظم الانقلابات الصحفية في التاريخ، واستطاع اكتساح الحقائق المخفية تحت سجادة الكنيسة الكاثوليكية.

تقييمي النهائي للفيلم: 9/10

في مقالي هذا، أنا لا أحاول أن أجعل منك ناقداً سينمائياً، فصفة الناقد هي صفة أكاديمية، أو على الأقل تحتاج منك سنوات من الدراسة والمناقشة والغوص العميق في غياهب الفن السابع.

يجب أن تعلم عزيزي القارئ أن الناقد السينمائي لا يحتاج إلى مشاهدة الأفلام، بل إن الأفلام هي من تحتاج لرؤيته وفقاً لواجبه، وارتباطاً برأيه كعمل مهني. الناقد السينمائي هو الشخص الذي يلاحظ في منفذ إعلامي معين أو شخصي ما يحدث بشكل عام في الفيلم، يضطر للسماح لنفسه بتذوق كل الأنواع المختلفة من أصناف السينما، مسقطاً حقه في ترك منتصف فيلم سيئ أو النوم أثناء عرضه.

تذكر عزيزي القارئ أن حبك للسينما ليس كافياً للنجاح في تشكيل نص نقدي سليم، يجب على أي شخص يريد الانخراط بشكل احترافي في مثل هذه المراجعات أن يحفز نفسه باستمرار، من أجل تطوير مهاراته السينمائية بالاحتكاك الدائم بالشاشة الكبيرة، وقراءة مقالات كبار النقاد، والاستنارة بالكتب التي تشرح جذور الشاشة الكبيرة شرحاً تعليمياً، وليس تلك التي تقدم البحوث حول الظواهر السينمائية، لأنه سيكون من الصعب جداً الولوج لهذا المجال دون معرفة مسبقة.

أنتم أيضاً يمكنكم المشاركة معنا في قسم الآراء والتجارب الشخصية عن طريق إرسال كتاباتكم عبر هذا البريد الإلكتروني:[email protected]

مقالات الرأي المنشورة في عربي بوست لا تعبر عن عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى