فيلم "دوار البوم".. كوابيس الجلاد وضحايا بلا وجوه

يقترح المخرج المغربي عز العرب العلوي في فيلمه الطويل الثاني "دوار البوم" رؤية تتلاقح فيها ذكريات من واقع الطفولة التي عاشها في فضاء قروي جنوب شرقي المغرب، مع سيرة روائية -من زاوية مغايرة- لأشهر معتقل سري عرفته سنوات الرصاص في سبعينيات القرن الماضي.

جدل فني نقدي وآخر سياسي أخلاقي أثاره الفيلم الذي قدم في عرض خاص للنقاد والصحفيين بالرباط. ذلك أن الاختيار الفني للمخرج اقتضى قتل الصفة التقريرية الواقعية للفيلم بتفادي تعيين موطن جغرافي للأحداث وتغييب الاسم المعروف للسجن.

لقد سمى القرية "دوار البوم" كناية عن لعنة جماعية تلف ساكنة منسية معزولة تفاقمت مأساتها مع إعلاء سور السجن بمحاذاتها، وسمى السجن المعروف بتازمامارت "القلعة" تمثلا لجدرانها المحصنة وأبوابها الموصدة في وجه "الغرباء والفضوليين". 

جحيم المعتقل
لم يكن عز العرب العلوي معنيا بتصوير فيلم عما حدث فعلا داخل فضاء التعذيب والموت البطيء، على غرار أفلام مغربية قاربت ملف الذاكرة السوداء في البلاد، من قبيل "درب مولاي الشريف.. الغرفة السوداء" لحسن بنجلون، أو "جوهرة.. بنت الحبس" لسعد الشرايبي.

لقد اختار أن يصور وقع هذا العنف المادي بتداعياته الرمزية والمعنوية على القرية التي حكم عليها بالصمت وعلى حكاياها بالظلام.. اختار شخصياته من حراس السجن الذين تكفي عربداتهم الليلية وكوابيسهم للإيماء بما يحدث في نهارهم داخل الزنازين المعدومة الضوء، وممن تبقى من ساكنة بعد رحيل معظمهم إلى مكان يتسع فيه الحلم.

87a19e5d95.jpg
مشهد من فيلم "دوار البوم" (الجزيرة)

شخصية الفقيه مركزية في الفيلم، فهو الوحيد الذي لديه موعد معلوم لدخول القلعة/السجن التي تساس بقبضة حديدية من طرف قائد عسكري لا تراوده رحمة بالنزلاء، بينما يبدي حنوًّا ملائكيا على كلبته "لايكا". وهذا الموعد ليس إلا واجب غسل وتشييع السجناء الذين يسقطون واحدا بعد الآخر إلى حفرة/قبر بلا شاهد.

والفقيه هو والد "حسن" الشاب الذي يرسم له المخرج/السيناريست بورتريه المتمرد الذي قد يقود غضبة تكشف سر المعتقل وتمهد لطي صفحته الأليمة.

وهو أيضا بوازع وقاره و"تقواه" ملاذ لشكوى حارس يتوسل عنده رقية أو علاجا لأرق يدفعه إلى حافة الجنون، أو أمّ تأتي من بعيد لتسأل عن مصير ابنها الذي تشم رائحته في المكان.

وهو أيضا شاهد لحظة الذروة في المأساة حين يكتشف أن السجين الذي دعي إلى إعداده للدفن ليس إلا ابنه الثاني "أمين" الذي كان يعتقد حتى وقتئذ أنه بالمدينة يواصل دراسته، وينتظر عودته منذ سنوات، بينما هو بين يديه جثة هامدة وقد أودع صدره رسالة وداع/لقاء إلى أبيه.

مشهد يحيل إلى نظيره في فيلم "المواطن مصري" لصلاح أبو سيف حيث يتقابل الفلاح (عزت العلايلي) وجثمان ابنه الشهيد (عبد الله محمود) والعمدة المتجبر (عمر الشريف). في المشهدين معا، أب ينكر بشكل ما صلته بالابن أمام جبروت السلطة.

94d97c9a88.jpg
مشهد لحراس معتقل تازمامارت (الجزيرة)

كان يمكن لأمين أن يكون بطلا في الأفلام التي تتناول موضوع ذاكرة الاعتقال والقمع، لكن المخرج فضّل أن يظل وفيا لاختياره الأول، حتى إنه اختار زاوية تصوير تغيّب ملامح وجهه.

كان -من وجهة نظره- يركب تحديا في الحكي؛ أن يجعل المشاهد يحس هول معاناة الضحايا في غياب تجسيدهم ماديا، أن يدعوه إلى تلمس الأثر لا معاينة الفعل.

وهذه النقطة بالذات هي ما جرت على المخرج انتقادات معتقلين ونشطاء يحملون وجع المرحلة، ممن اعتبروا الفيلم فسحة صوت للجلاد وقتلا رمزيا للضحية.

ضد أنسنة الجلاد
من موقعه كرئيس لمنتدى الحقيقة والإنصاف الذي يمثل ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان خلال سنوات الرصاص وعائلاتهم، رفض مصطفى المنوزي كل "تبخيس وتقزيم لما جرى خلال العهد البائد من فظاعات وجرائم سوداء"، منتقدا أي خطوة للمماثلة بين وضع الضحايا ووضع حراسهم. 

"
الجوهري عن الفيلم:
لا نعيش حقيقة مأساة المسجونين بقدر ما نحيا في كل دقيقة من دقائق الفيلم عذابات مرئية تستنسخ عذابات غير مرئية لأناس يبدو أنهم أحرار وما هم بأحرار
"

ورأى المعتقل السابق أحمد المرزوقي (الذي سبق أن حل شاهدا على العصر على قناة الجزيرة حول جحيم تازمامارت) في الفيلم إساءة لذكرى الضحايا وأنسنة لجلادين غالبيتهم كانوا بلا رحمة.

والحال أن مطمح مخرج "دوار البوم" كان تحرير الذاكرة عبر تحرير الحكاية من أحادية الرؤية، وتوجيه الحكي نحو مساحات أخرى من الواقع والمتخيل على السواء.

فهل وُفّق في ذلك فنيا، خارج صخب النقاش حول المضمون؟ بدت ردود فعل النقاد الأولية متباينة. 

ردود فعل متباينة
تحدث الناقد سعيد مزواري عن اختلالات على مستوى التصور الجمالي للعمل، واختيارات عاكست طموحات المخرج متوقفا عند بطء في إيقاع الفيلم، خصوصا في مخاض تبلور الحكي وطريقة تصوير الجسر الرابط بين القرية والسجن، التي استخدم فيها المخرج مؤثرات بصرية بدا أنها غير موفقة وانتقصت الكثير من مصداقية مشاهد رئيسية في مسار الفيلم. 

وبارتباط مع الانتقادات الموجهة إلى التعامل مع مأساة الضحايا، يرى مزواري أن التغييب المرئي للسجناء وإحالتهم "خارج الإطار" أفضى إلى نزع حقيقتهم الإنسانية.  

أما الناقد والمخرج عبد الإله الجوهري فاعتبر أن المكان في "دوار البوم" هو البطل الحقيقي، مكان يملي قوانينه على الشخصيات، ويفرض عليها إيقاعا حياتيا رهيبا، حيث الفراغ و الهواجس والخوف المحلق فوق الرؤوس، رؤوس السجانين قبل المسجونين، ونفوس ساكنة واقعة في الأسر، دون أن تكون مسجونة أو مسيجة بالجدران.

في هذا الفيلم -يقول الجوهري- "لا نعيش حقيقة مأساة المسجونين بقدر ما نحيا في كل دقيقة من دقائق الفيلم عذابات مرئية تستنسخ عذابات غير مرئية لأناس يبدو أنهم أحرار وما هم بأحرار"، ليخلص إلى أن المخرج برع في تصوير المعاناة الحقيقية لكل من عاش في محيط هذا المعتقل الرهيب، المعتقل الذي انغرست أساساته وفظائعه وحكاياته في نفوس أجيال عديدة من أبناء منطقة مغربية بعيدة في الجنوب.

1820d8c8c8.jpg
صورة لمعتقل تازمامارت في المغرب (غيتي/الفرنسية)

المعتقلون أصل الحكاية
من جانبه، تفاعل المخرج إيجابا مع عدد من الملاحظات، خصوصا أنه يؤكد أن الأمر يتعلق بعرض تجريبي تبعته مباشرة تنقيحات فنية انصبت أساسا على حذف بعض المشاهد التي أقر أنها أثرت سلبا على سلاسة "إقلاع" الحكي في المرحلة الأولى من بناء نسيج القصة، فضلا عن معالجة مشهد "الجسر" لتجاوز عثرات توظيف المؤثرات الخاصة، إضافة إلى تعديلات على مستوى التوضيب.

أما عن اتهامات الانتصار للجلاد على الضحية، فقال العلوي إنه لم يقفز على مأساة المعتقلين، بل هم الأصل في الحكاية.. المعتقلون في الفيلم هم النواة الأساسية التي تدور على رحاها كل الوقائع.

وأضاف "فقط اخترت مقاربة هذا الموضوع من الزاوية التي عايشتها وخبرت بعض خباياها وهي حياة الحراس الخارجية وعلاقاتهم الاجتماعية والنفسية"، موضحا أن عدم ظهور وجوه المعتقلين في الفيلم كان مقصودا، بل له "دلالات أعمق وأقوى لأن ملامحهم هي ملامحنا جميعا، ووجوههم هي وجوهنا جميعا، ولعل هذا يعتبر في نظري المتواضع أكبر تكريم لهؤلاء".

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى