ثروات مصر المبعثرة على شراء الولاءات وتشويه الأخر

ثروات مصر المبعثرة على شراء الولاءات وتشويه الأخر
ثروات مصر المبعثرة على شراء الولاءات وتشويه الأخر

سياسات عهد السيسي زادت المصريين فقراً وفاقمت أزمة البطالة (فرانس برس)

تعالوا نرسم خريطة لمصر وقد استفادت السلطة الحاكمة من 431 مليار دولار قيمة أموال تدفّقت عليها بالنقد الأجنبي من الخارج خلال السنوات الست الماضية، بشهادة طارق عامر محافظ البنك المركزي، إضافة إلى تريليونات الجنيهات الأخرى التي دخلت خزينة الدولة من الحصيلة الضريبية والقيمة المضافة التي تقترب من ألف مليار جنيه هذا العام، وإيرادات ضخمة من الزيادات القياسية في الرسوم عن الخدمات المقدمة للمواطن في المصالح الحكومية، ومنها المرور والشهر العقاري والجوازات والأحوال المدنية والمحليات وتراخيص المباني وغيرها.

إضافة إلى مليارات أخرى محققة من زيادة أسعار السلع والخدمات، ومنها المياه والكهرباء والمواصلات العامة والاتصالات والسجائر، وخفض الدعم الحكومي المقدم للبنزين والسولار والغاز المنزلي، وأرباح الشركات العامة وحصائل بيع الأراضي والشركات الحكومية وغيرها، وكذلك مليارات أخرى بسبب تهاوي أسعار النفط في الأسواق الدولية وما حققه التهاوي من وفر ضخم للموازنة العامة واحتياطي البلاد من النقد الأجنبي.

لنتخيل أن هذه التريليونات أو آلاف المليارات ذهبت إلى طريقها الصحيح، وتم استغلالها، من قبل النظام الحاكم، بالأسلوب الأمثل الذي يخدم مشروعات التنمية ويحقق الرفاه للمواطن ويوفر الحد الأدنى من الخدمات الرئيسية، خاصة التعليم والصحة والمواصلات العامة.

ذهبت لمكافحة البطالة والفقر والأمراض وسوء التغذية، وتنمية مدن وقرى الصعيد المنسية والأعلى في معدلات الفقر داخل محافظات الجمهورية، ومد شبكات المياه النظيفة والصرف الصحي للقرى والمناطق النائية والمحرومة.

لنتخيل أن هذه الأطنان من الأموال التي دخلت بالفعل خزانة الدولة تم توجيه جزء بسيط منها من قبل الحكومات المتعاقبة لإقامة مستشفيات ودور رعاية صحية، ودعم الدواء الذي يرتفع سعره يوماً بعد يوم، وتطوير البنية الصحية المتهالكة، وتقديم خدمة صحية متميّزة للمواطن وبتكلفة تناسب دخله، أو على الأقل توفير أسرة للمرضى بدلاً من قائمة الانتظار الطويلة، وإقامة مصانع أدوية جديدة ومراكز بحوث.

لنتخيل أن جزءاً قليلاً من هذه الأموال والثروات الطائلة ذهب لإقامة مزيد من المدارس والجامعات والمعاهد المتخصصة، وتطوير النظام التعليمي والمدارس، وتوفير مليارات الجنيهات للأسر المصرية التي تدفعها مقابل الدروس الخصوصية، لنتصور لو تم توجيه 40 مليار جنيه فقط من هذه التريليونات لتم حل أزمة التكدّس والكثافة الكبيرة داخل الفصول المدرسية عبر إقامة 73 ألف فصل جديد بالمدارس.

لنتخيل أن جزءاً من هذه الأموال ذهب لإقامة مبانٍ ووحدات سكنية وبيعها للمواطن بأسعار مناسبة، وتوفير نحو 500 ألف وحدة سكنية هي عدد الوحدات المطلوبة سنوياً في البلاد، منها 300 ألف لحالات الزواج الجديد، ونحو 254 ألف وحدة لتعويض العجز المتراكم لدى المجتمع بحسب تقديرات البنك الدولي، وبالتالي تساهم الدولة في حل أزمة السكن الخانقة التي تؤرق الأسر المصرية منذ عشرات السنين.

لنتخيل أن جزءاً من هذه المليارات تم إنفاقه لتطوير قطاع الزراعة الحيوي، والعمل على تحقيق الاكتفاء الذاتي من الأغذية والسكر والشاي والأرز وغيرها من السلع الرئيسية والتموينية، وبالتالي لن تصبح أكبر مستورد للقمح والزيوت على مستوى العالم، ولن تدفع مليارات الدولارات لاستيراد الأغذية، أو تضطر إلى استيراد القمح الفاسد والمسرطن من أسواق العالم.

لنتخيل أن جزءاً من هذه المليارات المتدفقة على خزانة مصر تم توجيهه لدعم قطاع الصادرات الواعد، ومساعدة صغار المصدرين على البحث عن أسواق خارجية لمنتجاتهم والترويج لها، وبالتالي يقفز رقم صادرات مصر من 25 مليار دولار حالياً لأكثر من 100 مليار دولار وربما أكثر، خاصة أن صادرات مصر متنوّعة، كما أن البلاد تمتلك قاعدة صناعية قوية تعدّ الأبرز في منطقة الشرق الأوسط.

لنتخيل أن عدة مليارات تم توجيهها لإقامة مصانع جديدة وضخ استثمارات في المصانع القائمة وتزويدها بخطوط الإنتاج الجديدة، وبالتالي توفر الدولة فرص عمل للعاطلين والمنضمين الجدد لسوق العمل، خاصة من خريجي الجامعات.
لنتخيل أن جزءاً من الأموال المتوفرة تم توجيهها لحل أزمة المصانع المتعثرة والمغلقة البالغ عددها 8222 مصنعاً، بحسب أرقام اتحاد نقابات عمال مصر، بينما قدّرها اتحاد المستثمرين بنحو 1500 مصنع متعثر قرابة 40% منها فى قطاع الغزل والنسيج والملابس الجاهزة، وبالتالي تعود عجلة الإنتاج لهذه المصانع المغلقة منذ سنوات لأسباب متنوعة، معظمها حكومي، وبالتالي اتاحة فرص لمئات الآلاف من العمال الذين استغنت عنهم تلك المصانع.

لنتخيل أن جزءاً من هذه مليارات وثروات مصر تم توجيهه لدعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وبالتالي تصبح مصر رائدة في هذا المجال على غرار الدول التي تعتمد اقتصادياتها وصادراتها على هذه المشروعات التي تساهم أيضاً في مكافحة البطالة وزيادة موارد النقد الأجنبي وتوفير فرص عمل لملايين العاطلين، مثل إيطاليا وغيرها من دول العالم في أوروبا وآسيا وأميركا اللاتينية.

لكن للأسف لم يحدث ذلك وذهبت مئات المليارات أدراج الرياح، وبالتالي لم تعد بالنفع على الاقتصاد وقبله المواطن، فالقطاعات الإنتاجية والخدمية التي تهم الاقتصاد والمواطن تم إهمالها لصالح مشروعات ريعية، أو مشروعات لا تمثّل قيمة مضافة أو أولوية، سواء للاقتصاد القومي أو للمجتمع، مثل تفريعة قناة السويس التي استنزفت 8 مليارات دولار، والعاصمة الإدارية الجديدة التي تستنزف 45 مليار دولار في المرحلة الأولى، وهي مدينة مخصصة للموظفين الحكوميين والأثرياء الراغبين في شراء قصور وفيلات على نهرها الجاري شقه. 

لو فعلت الحكومة المصرية ذلك وضخت تلك المليارات في شرايين الاقتصاد القومي لتحوّلت مصر إلى سنغافورة جديدة في المنطقة ينافس اقتصادها كبريات الاقتصاديات العالمية، خاصة مع تنوع موارد ذلك الاقتصاد وتفوقه في مجالات عدة، لكن جزءاً مهماً من أموال الدولة ودافعي الضرائب وثروات المجتمع ذهب إلى أماكن أخرى لا علاقة لها بالمواطن واحتياجاته المعيشية.

لقد ذهبت المليارات من أموال الدولة ليشتري بها النظام الحاكم ولاءات أجهزة في الدولة، مثل الشرطة والقضاء والإعلام والبرلمان، حيث يتم من وقت لآخر زيادة الرواتب والحوافز والمكافآت التي يحصل عليها المنتمون لتلك الأجهزة.

ذهبت المليارات كذلك للسيطرة على وسائل الإعلام، وتمويل مبنى ماسبيرو الذي يقدم إعلاماً لا علاقة له بالواقع، ذهبت لصحف مفلسة لا توزع سوى بضعة آلاف من النسخ، وشراء قنوات فضائية وضخّ عشرات المليارات بها للاستحواذ على عقل المواطن وإسماعه الصوت الواحد، وتشويه المعارضة السياسية، وممارسة سياسة كيد النساء على أوسع نطاق، والترويج لإنجازات غير موجودة على أرض الواقع.

 ذهبت المليارات لبناء القصور الرئاسية والمقار الحكومية في العاصمة الإدارية الجديدة ومدينتي العلمين ومرسى علم وغيرها.

ذهبت ثروات المجتمع لشراء أجهزة تجسس وتنصّت على المواطنين، والتوسع في سياسة حجب مواقع الصحف ووكالات الأنباء والمنظمات الحقوقية، وكذلك لشراء أحدث أنواع المدرّعات والقنابل المسيلة للدموع والرصاص الحي لقمع المتظاهرين في حال خروجهم إلى الشوارع.

ذهبت مليارات أخرى في صورة امتيازات تم منحها لأعضاء البرلمان ومجلس الشيوخ الذي تم إحياؤه مؤخراً وعلى عجل لأسباب لا يعرفها المصريون.

مليارات تم تخصيصها من الموازنة العامة للدولة لبرلمان لم يعمل في يوم ما لصالح المواطن ومشاكله الحياتية، بل جاء ليشرع كل ما يمثل عبئاً على ذلك المواطن ويوافق على اتفاقيات التنازل عن أجزاء من الأراضي المصرية وحقولها النفطية كما حدث حينما تنازل عن جزيرتي تيران وصنافير المصريتين للسعودية وبعض حقول الغاز في البحر المتوسط.

وهناك مليارات أخرى تم تخصيصها لتمويل إقامة مؤتمرات محلية ودولية، مثل مؤتمرات شباب العالم واسأل الرئيس، وأخيرا مليارات لشراء معدات وأجهزة لهدم البيوت على رؤوس المصريين ومعها هدم المساجد.
هل عرفت الآن أين تم إنفاق جزءاً مهماً من ثروات مصر الطائلة وأموال دافعي الضرائب خلال السنوات الست الأخيرة؟ وهل هذا الانفاق هو لصالح المواطن الذي بات يعاني من أوضاع معيشية صعبة، أو لصالح الاقتصاد وديون البلاد المتراكمة، أم لصالح السلطة الحاكمة؟

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى