الحرب على الزعران... حالة الأردن

الحرب على الزعران... حالة الأردن
الحرب على الزعران... حالة الأردن

الفقر يستشري في معسكرات وسط الضائقة الاقتصادية بالأردن

فجأة، وبدون سابق إنذار، تعلن الحكومة الأردنية الجديدة حملة قوية على من يُسَمَّون "المبتزين، وطلاب الخاوات، والقبضايات أو الزعران" الذين يتنمرون على خلق الله الضعفاء بقصد الابتزاز. 

ويبدو أن هذه الظاهرة قد استشرت شرقيَّ مدينة عمّان، حيث أكثرية السكان من اللاجئين والنازحين، وحيث مخيم الوحدات ومخيمات أخرى. ولكن هذا لا يعني أن السكان كلهم من أصول فلسطينية، ولا كل المنشغلين بهذا العمل أو أن كل قيادات هذه المجموعات هم فلسطينيو الأصل.
ويبدو مما رشح من معلومات، أن هذه الظاهرة ليست جديدة، بل مضى عليها سنوات، خصوصاً في ظل التراجع الاقتصادي الذي يشدد الخناق على الاقتصاد الأردني، فيصيب الشباب في القطاعات غير الرسمية، وغير المنظم بالبطالة والفقر.
وشرق مدينة عمّان هو الأهم اقتصادياً من غربها، فهنالك أسواق الجملة، وقطع الغيار، وحركة الشحن، والمخازن والمستودعات، والخدمات، وهنالك البسطات، والاكتظاظ، وتجارة إعادة التدوير، والميكانيك، وغيرها من الأعمال الصعبة والمجدية لأصحابها. 
وتقع في هذه المنطقة أسواق الملابس القديمة، والأثاث المستخدم، وغيرها من الأمور التي تُشتَرى بأسعار زهيدة، ليعاد تدويرها وتباع ثانية لأصحاب الدخول المحدودة بدون ضرائب دخل أو مبيعات أو جمارك، أو حتى رسوم بلدية في أغلب الأحيان.
وقد ازدهرت المنطقة من حيث العقار، واستفاد أصحاب الأراضي في تلك المنطقة، حيث ظهر على بعض سكانها الغنى، بسبب أن أراضيهم القريبة من المخيمات قد ارتفعت أسعارها نتيجة التفاعل الاقتصادي بين سكان المخيمات والمواطنين الأردنيين أصحاب الأراضي. وتدريجاً، تحولت العلاقة من بيع أراضٍ وتأجيرها إلى شراكاتٍ مثمرةٍ عزّزت العلاقات بين الطرفين.

ولكن بسبب تراجع الأوضاع الاقتصادية في ، بدأت تظهر في هذه المناطق مؤشرات على الهروب إلى الأعمال من داخل الاقتصاد الرسمي إلى الاقتصاد غير الرسمي، فظاهرة البسطات أو البيع المتجول على عربات، أو على الأرصفة، ازدادت. 
وهنا برز التنافس بين العاملين داخل القطاع الرسمي ممن يدفعون الضرائب، والعاملين خارج القطاع الرسمي من غير المرخصين ولا المسجلين لدى الدوائر الرسمية.

ولذلك، كانت الشرطة تميل إلى مطاردة أصحاب البسطات لأنهم خارج القانون، ولا يدفعون ما عليهم من استحقاقات حكومية.
وهكذا، وجد هؤلاء البائعون أن الحاجة صارت تتطلب منهم أن يحموا أنفسهم. وهم في هذه الحالة يلجأون إلى عدد من الوسائل، منها أن يسعوا إلى رشوة رجال الأمن، لكي يتركوهم يعملون، ولكن لهذا الأمر مخاطره وحدوده.

وعندها يجد هذا الشخص أحد المتنفذين، أو مسؤول أمن سابقاً، أو نائباً، أو قريباً لشخصٍ متنفذ، لكي يتوسط له كلما أُلقي القبض عليه.
وإذا ظهر من بين هؤلاء المتنفذين من عنده ميول تنظيمية، فإنه يبدأ تدريجاً بعمل شبكة من البائعين (أو فرانشايز franchise)، ويمنحهم حمايته، ويعطيهم ضماناتٍ بأن يحميهم، وإذا نجح، فسيقلده آخرون من أصحاب النفوذ. ولما كثر التنافس، صار هنالك تقسيم للمناطق، فاضطر المتنفذون إلى التعاون معاً، وأحياناً إلى الدخول في معارك فيما بينهم.
وإذا توسع العمل، وارتفعت نسب البطالة والفقر، وَسَّعَ المتنفذون، أو الرأسماليون أصحاب النفوذ، نطاق أعمالهم من البسطات إلى أعمال غير مشروعة أصلاً.

وتبدأ هذه بتشكيل عصابات من بلطجية وزعران لابتزاز الأموال من أصحاب الدكاكين والبسطات الذين لا حماية لهم. 
وإذا لم يكن لهؤلاء ظهر يحميهم، فإنهم يصبحون فرائس سهلة. وهم لا يتحدّثون أو يشتكون، لأن نفوذ حاميهم يخلص هؤلاء المعتدين من العقوبة، فيعودون أقوى مما كانوا، ويسلطون عقابهم الشديد على من تجرأ واشتكى عليهم.
وإذا فشل نفوذ المتنفذين في تقديم الخدمات للبلطجية والزعران وأصحاب البسطات، فإنهم يبدأون في تجنيد مسؤولين في الأماكن الحساسة، وهي عادة الأمن، والقضاء، والإعلام، وأعضاء البرلمان، وإذا نجحوا في تجنيد هؤلاء، فإن كل مواصفات المنشأة الاجرامية المنتظمة تتكامل.
ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل بدا أن فائض الأموال المتاح لهؤلاء أعطاهم نفوذاً سياسياً، فهم قادرون أيام الانتخابات على تقديم " التمويل الأسود" أو "المال السياسي" لإنجاح نواب لهم في مجلس النواب. وهم قادرون عبر الإعلام، وخصوصاً الإلكتروني، على ترويج سياسيين لكي يتبوأوا مناصب حساسة.

وتدل القرائن من الدراسات التي أجريت على دول، مثل وروسيا وبريطانيا وإيطاليا وأستراليا، ودول في أميركا اللاتينية، على أن مثل هذه العصابات المنظمة تتحوّل من منظماتٍ قُطرية إلى منظماتٍ عابرة للحدود، تتاجر بالأشياء المربحة والخطرة، مثل ، وتبييض الأموال والتهريب للسجائر والعطور، وكل ما هو مفروض عليه ضرائب مرتفعة، والرقيق الأبيض والأعضاء البشرية. وتتصل هذه العصابات بعصابات منظمة في الدول النامية والصغيرة. وهكذا يصبح أداء هذه العصابات في دول مثل الأردن نافذاً وقوياً.
لقد قرّر الأردن أن السوق غير المنظم وغير الرسمي لم يعد مجرّد بسطات صغيرة، بل أصبح ظاهرة إجرامية تقتل الناس، وتعتدي على الأعراض، وتبتزّ الناس في سمعتهم ومركزهم وشرفهم، وحتى حياتهم. 
والأردنيون لا يقبلون بذلك، ولذلك كانت الاستجابة قوية جداً على استنهاض الهمة الأمنية، لكي تتصدّى لهذه العصابات، ولكن العاطفة وحدها لا تكفي. والناس في ضيق العيش قابلون للاستنفار، عندما تشدّهم هذه الحالات، خصوصاً عندما يكتشفون أن فيروس كورونا قد وفّر مناخاً أفضل لهذه العصابات.
المعركة بين مؤسسات الدولة والمنشآت الإجرامية في الأردن، ودول كثيرة، قادمة وبدون هوادة.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى