في وقت يحيي فيه العالم اليوم الدولي لمساندة ضحايا التعذيب، عاد هذا الملف إلى واجهة النقاش في لبنان، مع مشاركة المحامي ورئيس برنامج الدعم القانوني في مركز “سيدار” للدراسات القانونية، محمد صبلوح، في مؤتمر حقوقي عُقد في جنيف، حيث عرض أمام خبراء من الأمم المتحدة وممثلين عن منظمات دولية سلسلة من القضايا التي قال إنها تكشف الثغرات العميقة في منظومة العدالة اللبنانية، بدءاً من قضايا التعذيب وانتزاع الاعترافات، وصولاً إلى غياب المحاسبة في عدد من الملفات التي أثارت الرأي العام.
ولم يقتصر طرح صبلوح على الحديث عن حالات فردية، بل قدم، كما يقول، صورة متكاملة عن واقع تطبيق قانون تجريم التعذيب في لبنان، معتبراً أن المشكلة لم تعد في غياب التشريعات، وإنما في غياب تنفيذها، رغم مرور نحو تسع سنوات على إقرار القانون رقم 65 لعام 2017.
واستهل صبلوح مداخلته بالتذكير بأن لبنان انضم إلى اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب عام 2000، وكان ملزماً بتقديم تقريره الأول بعد عام واحد، إلا أنه لم يفعل ذلك إلا في عام 2016، عقب ضغوط متواصلة من منظمات حقوقية. ويرى أن هذا التأخير عكس منذ البداية ضعف التعامل الرسمي مع الالتزامات الدولية المتعلقة بمناهضة التعذيب.
وأشار إلى أن إقرار قانون تجريم التعذيب عام 2017 شكّل خطوة تشريعية مهمة، لكنه بقي، كما يقول “حبراً على ورق”، إذ لم ينعكس على أداء الأجهزة الأمنية أو القضاء بالشكل المطلوب، ولم يؤد إلى محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.
وانطلاقاً من خبرته في الترافع أمام المحاكم العسكرية والعدلية والجزائية، عرض صبلوح أبرز الإشكاليات التي قال إنها ما زالت تتكرر. ففي مقدمتها، تحدث عن حالات اختفاء قسري مؤقت، حيث يفقد ذوو الموقوف أي معلومة عنه لأيام، قبل أن يتبين لاحقاً أنه محتجز لدى أحد الأجهزة الأمنية، الأمر الذي يعد مخالفة للضمانات القانونية.
كما انتقد عدم الالتزام بالمهل القانونية لتوقيف الأشخاص، موضحاً أن بعض الموقوفين يبقون لدى الضابطة العدلية لفترات تتجاوز ما يسمح به القانون، وهي الفترة التي يقول إنها تشهد في بعض الحالات تعرضهم للتعذيب أو الضغط لانتزاع اعترافات، قبل إحالتهم إلى القضاء.
ومن بين الثغرات التي ركز عليها أيضاً، التأخر في تعيين طبيب شرعي للكشف على الموقوفين الذين يدّعون تعرضهم للتعذيب، ما يؤدي إلى زوال الآثار الجسدية وصعوبة إثبات الانتهاكات، إضافة إلى نقص الأطباء الشرعيين المتخصصين، وهو ما ينعكس، بحسب قوله، على دقة التقارير الطبية.
ولإظهار أثر هذه الثغرات، استعرض صبلوح عدداً من الملفات التي أثارت جدلاً في لبنان، بينها قضية الموقوف محمد حرقوص الذي توفي أثناء احتجازه، بعدما صدر تقرير أول نسب الوفاة إلى أسباب صحية، قبل أن تظهر معطيات دفعت إلى التشكيك في الرواية الأولى. كما تطرق إلى قضية قارب طرابلس الذي غرق عام 2022، وحادثة مقتل شاب خلال محاولة توقيفه في عكار، معتبراً أن غياب المحاسبة في هذه الملفات يعزز الشعور بالإفلات من العقاب.
وكشف صبلوح أن مركز “سيدار” للدراسات القانونية وثق أكثر من 107 شكاوى مرتبطة بادعاءات تعذيب خلال العامين والنصف الماضيين، إلا أن معظمها لم يصل إلى مرحلة الملاحقة القضائية، باستثناء قضية اللاجئ السوري بشار السعود، التي تحولت إلى قضية رأي عام.
ويؤكد صبلوح أن الهدف من طرح هذه الملفات في جنيف ليس تدويلها بقدر ما هو تذكير الدولة اللبنانية بالتزاماتها الدولية، والضغط من أجل تطبيق القوانين النافذة وضمان محاسبة المسؤولين عن أي انتهاك، معتبراً أن وجود قانون يجرّم التعذيب يفقد قيمته إذا بقي من دون تنفيذ فعلي.
وبين النصوص القانونية التي تجرّم التعذيب، والوقائع التي يقول حقوقيون إنها ما زالت تتكرر، يبقى السؤال الذي طرحه المؤتمر في جنيف قائماً: هل يتمكن لبنان من الانتقال من مرحلة سنّ القوانين إلى مرحلة تطبيقها، بما يضمن حماية الموقوفين وترسيخ مبدأ عدم الإفلات من العقاب؟

