سيّدة النجاة بين جعجع وجنبلاط

سيّدة النجاة بين جعجع وجنبلاط
سيّدة النجاة بين جعجع وجنبلاط

كتب نجم الهاشم في صحيفة “نداء الوطن”:

في كتابه “نحكم باسم الشعب اللبناني” يروي القاضي فيليب خيرالله ما سماه “شهادة حياة” سجل فيها قصة حياته وحياة عائلته. ولكن على رغم كل هذا العنوان الكبير خصص القسم الأكبر من مقدمته ومن كتابه للدفاع عن نفسه في ما يتعلق بالدور الذي قام به على رأس المجلس العدلي في محاكمة رئيس حزب القوات اللبنانية . كأنه كان يشعر بعقدة ذنب وأراد أن يخلق المبررات التي جعلته يستمر في المحاكمة على رغم معرفته بأنها كانت نتيجة قرار سياسي كبير اتخذته سلطة عهد الوصاية. وربما أراد ايضاً أن يتحرر من هذه العقدة التي رافقته حتى بعدما ترك القضاء. لعل ما ذهب إليه القاضي خيرالله يختصر أيضاً العلاقة الملتبسة بين السلطة السياسية وبين القضاء وهي علاقة لا تزال كذلك حيث أن القضاء لا يزال يشكل صدى لهذه السلطة وما يحصل في موضوع حادث قبرشمون في قضاء عاليه لجهة الخلاف حول إحالتها إلى المجلس العدلي لا يخرج عن هذا الإطار.

في سرده لحادث كنيسة سيدة النجاة في زوق مكايل في 27 شباط 1994 يشير القاضي خيرالله إلى تفجير السيارة المفخخة في 20 كانون الأول 1993 قرب بيت الكتائب المركزي في الصيفي “فيما كان المكتب السياسي للحزب منعقداً، فأدى الإنفجار إلى أضرار بالغة في البيت وإلى مقتل شخصين وإصابة أعضاء المكتب السياسي بجروح. وذهبت التكهنات، بشأن الجهة الفاعلة، مذاهب شتى حتى أن بعضها رأى خيوطاً توصل إلى “القوات”. إلا أن الإيحاءات من هذا القبيل لم تصمد. وبقي الفاعلون مجهولين حتى الآن”.

الإيحاءت… والتغطية

بعد ذلك الإنفجار كان رئيس الجمهورية الياس الهراوي في في زيارة لمقابلة رئيس حافظ الأسد. هناك سمع كلاماً عن اتجاه إلى تحميل المسؤولية إلى “القوات اللبنانية”، وهو ما سمّاه خيرالله إيحاءات، وقد قرّر العودة إلى وقطع زيارته وأرسل خبراً إلى الدكتور سمير جعجع يطلب منه فيه أن يغادر لبنان لأن غيوماً كثيرة ملبّدة في الأجواء وهناك عواصف آتية، وقد روى الهراوي أيضاً هذه الواقعة في كتابه “عودة الجمهورية من الدويلات إلى الدولة” في فصل عنونه “قلبي على جعجع”. كل ذلك لم يمنع الهراوي وخيرالله من تغطية محاكمة جعجع و”القوات” بعد تفجير كنيسة سيدة النجاة وهما يعرفان ويدركان أن استهدافه سياسي بقرار سوري بالدرجة الأولى.

بعد تفجير الكنيسة يقول خيرالله : “أحيلت الجريمة على المجلس العدلي واختارت السلطة القاضي جوزف فريحة كمحقق عدلي في القضية كونه مارونياً وإبن المرحوم طنوس فريحة الذي كان يُلقّب بسيف النصارى. ولم نكن في مجلس القضاء (الأعلى) متحمّسين لهذا الإختيار ولكننا وافقنا لكون رأينا في هذا الموضوع استشارياً فقط. وقد لاحظ الصحافيون عدم حماستنا”.

“المنطق” المتحكّم

على رغم مرور 25 عاماً على تفجير الكنيسة، لا تزال قضية محاكمة الدكتور جعجع و”القوات اللبنانية” ماثلة في الأذهان كشاهد على عدم انتظام تحقيق العدالة وعلى تدخل السلطة السياسية في القضاء وعلى امتثال القضاء لهذه السلطة، على أساس أن الضابطة العدلية خلال عهد الوصاية هي التي كانت تُحرّك “العدلية” وليس العكس. ضمن هذا الجو كان من الطبيعي أن يعود الوزير وائل أبو فاعور إلى فضيحة تفجير كنيسة سيدة النجاة والمحاكمات فيها معتبراً أنه “يبدو أن هذا المنطق لا يزال يتحكّم بعقول البعض”.

ليست المشكلة في المجلس العدلي وحده كهيئة محاكمة لا يمكن استئناف الأحكام الصادرة عنه أمام أي هيئة قضائية أخرى بل في كامل المسار القضائي الذي يمكن أن تسلكه أي قضية تحال عليه.

في ما خص “القوات اللبنانية” كان من الواضح أن استهدافها بدأ مع استثناء الجرائم المحالة إلى المجلس العدلي من قانون العفو الصادر العام 1991. وفي ما خص تفجير كنيسة سيدة النجاة كان الإستهداف واضحاً من خلال اختيار محقق عدلي خاضع للسلطة الأمنية والسياسية إلى الحد الذي جعل رئيس المجلس العدلي الذي تولى المحاكمات يتحفظ عليه من دون أن تكون لديه القدرة على الإعتراض. ففي هذا المسار تتحدّد معالم الإتهامات والوقائع وتساق الأدلة وتتطلب العقوبات وفق ما يرتئيه المحقق العدلي في قراره الإتهامي الذي لا قدرة عند الجهة المدعى عليها على الإعتراض عليه أمام أي مرجع آخر وعلى هذا الأساس أيضاً يصبح المجلس العدلي محكوماً بالإلتزام بما ورد في هذا القرار.

الإصرار على إحالة جريمة قبرشمون إلى المجلس العدلي أحيا مثل هذه الهواجس لدى الحزب “التقدمي الإشتراكي” ولذلك ربط البعض بين ما تعرضت له “القوات” والدكتور جعجع وبين ما يمكن أن يتعرض له مع حزبه على رغم الفارق الكبير بين المرحلتين وبين الظرفين.

تصرُّف وزير الدفاع الياس بو صعب ربما كان مؤشراً إلى هذه المخاوف حيث أنه أخذ موقفاً مؤيداً لوجهة نظر رئيس الحزب “الديمقراطي” عندما اعتبر مسبقاً أن ما حصل كان كميناً للوزير صالح الغريب. فهو كان زار أرسلان في خلده ثم استقبله في مفسحاً المجال أمام إطلاق حملة التشكيك بموقفه واعتبار أنه يجب أن يكون على الحياد في هذه القضية وترك مسألة الوصف الجرمي ورواية الوقائع للتحقيق.

السلطة تتبنّى الاتهامات

بعد تفجير كنيسة سيدة النجاة تبنّت السلطة السياسية الإتهامات الموجهة إلى “القوات اللبنانية” قبل أن تتوفر أي معلومات حول صحة ذلك. حتى أن الرئيس خيرالله في تبريره للحكم الذي أصدره قال في كتابه: “إن المجلس العدلي كان أمام ملف فيه الكثير من الثغرات والغموض التي لم تبدّدها التحقيقات التي قام بها المحقق العدلي والتحقيقات الأولية التي سبقتها لدى مخابرات ولا التحقيق الذي قام به المجلس العدلي. فالإتهام مبنيّ على أقوال الشاهد الوحيد، المدّعى عليه جرجس توفيق الخوري، الذي كتب وروى ظروف ووقائع التحضير للتفجير بشكل مفصّل وكأن الإنسان يقرأها في رواية بوليسية”.

على رغم هذه الإشارة إلى الرواية البوليسية والتشكيك وعلى رغم أن جرجس توفيق الخوري كان تراجع عنها أمام مدعي عام التمييز منيف عويدات وأمام المجلس العدلي خلال المحاكمة وفنّد ما تعرّض له خلال التحقيق وكيف أجبر على قول ما قاله فيها، لم يمتنع الرئيس خيرالله والمجلس العدلي عن الأخذ بها والحكم على جرجس الخوري وأعضاء آخرين في “القوات اللبنانية” مُسقطاً التهمة عن الدكتور جعجع، معتبراً أنه جنّبه إعداماً جسدياً ومعنوياً. حتى أن عويدات الذي لم يكن مقتنعاً برواية الخوري وكشف أنه لا يمكن أن يكون فجّر الكنيسة، لم يمتنع عن لعب دور الإتهام وتبنيه أمام قوس المحكمة عندما كان يمثّل الإدّعاء العام وقد حمل الملف إلى البطريرك صفير مقترحاً عليه تعديل قانون العفو العام للخروج من هذه القضية خصوصاً أن البطريرك كان رافضاً لاتهام الدكتور جعجع و”القوات” وقد أرسل رسالة خاصة إلى الرئيس الهراوي محذراً من الحكم على جعجع متبنياً براءته وبراءة “القوات” لأنه كان يعلم مسبقاً بمخطط لتفجير الكنائس أطلعه عليه شاب مصري هو نبيل مرسي علي بعدما رافق شخصاً قال إنه من “” إلى الضاحية الجنوبية طالباً منه مشاركته في هذا المخطط. واللافت في هذه القضية أن هذا الشاب أجبر على تغيير أقواله خلال التحقيق معه قبل تفجير كنيسة سيدة النجاة ومُنع من المثول أمام المجلس العدلي بعد توقيفه وقبل ترحيله.

قبر شمون و”سيدة النجاة”

ما يحصل في ملف قبرشمون يشبه في بعض فصوله ما حصل في ملف الكنيسة. ثمة إشارات واضحة انطلقت قبل التحقيق الرسمي لتربط بين الوزير أكرم شهيب وبين الحادث واعتبار أنه كان المتابع على الأرض لعمليات الإعتراض على زيارة الوزير رئيس “” لبلدة كفرمتى وأنه كانت هناك خطة مسبقة لإقامة الكمين للوزير الغريب وبالتالي بعد ذلك يمكن الربط بين شهيب ووليد جنبلاط على أساس أن الأول كان ينفّذ أوامر الثاني.

في قضية سيدة النجاة كان الرائد فؤاد مالك صلة الوصل الأولى مع تلفيق التهمة إلى “القوات”. ماذا كان دوره؟ في التحقيق نسبوا إلى جريس الخوري قوله إنه وبينما كان مجتمعاً مع آخرين من “القوات” في مبنى الأركان في زوق مكايل للتخطيط للتفجير فتح فؤاد مالك الذي كان ينزل على الدرج الباب الذي كان مقفلاً وقال لهم “بلا ضجة يا شباب”.

كانت مؤشرات التضييق على “القوات اللبنانية” واضحة منذ العام 1992 عندما تم إسقاط الدكتور جعجع في انتخابات رئاسة حزب “الكتائب” وعندما أجبر بقوة السلطة على الخروج من مقرّه في الكرنتينا والعودة إلى مقرّه في غدراس صيف العام 1992. هذا الأمر عبّر عنه أيضاً الرئيس فيليب خيرالله في كتابه قائلاً: “وعندما أصبح الظرف مؤاتياً وبعد أن بدا للسلطة يوماً بعد يوم أن سمير جعجع لا يُماشيها في الخط الذي رسمته وأنه لم يتخلّ عن استراتيجته، كان قرار هذه السلطة بعد أن أوحى التحقيق الأوّلي بعلاقة ما لعناصر القوات بتفجير الكنيسة، وألقى الضوء على جرائم أخرى لم يطوِها قانون العفو، كان القرار بفتح ملفات كل هذه الجرائم واستنيبت الأجهزة الأمنية للتقصي وتجميع العناصر فيها”. في الواقع كانت الأجهزة الأمنية هي التي تستنيب السلطة القضائية وعلى رغم ذلك لم يمتنع خيرالله عن السير بالمحاكمات حتى من دون وكلاء دفاع عن الدكتور جعجع معتبراً أن أي عائق لا يمكن أن يمنع السير بها.

هل يمكن أن يحصل اليوم مع جنبلاط ما حصل مع جعجع قبل 25 عاماً؟

ما يحصل من محاولات لوضع اليد على القضاء والقضاة من خلال التشكيلات القضائية قد يوحي بذلك وثمة أمثلة حول هذا التدخل وحول ما نتج عنه في بعض القضايا ذات الإشكالية التي حصلت في الفترة الأخيرة. وهي ليست المرة الأولى التي يتم تهديد جنبلاط فيها بالقضاء.

بين “غدراس” و”المختارة”

في فترة حكم الرئيس العماد أميل لحود تم اتهام جنبلاط بإيواء مطلوبين في قصر المختارة واستخدمت أجهزة أمن عهد الوصاية معه تعبير “المقيم في قصر المختارة” للدلالة إليه تماماً كما استخدمت مع الدكتور جعجع عبارة “المقيم في غدراس”. ولكن ثمة فوارق كبيرة بين المرحلتين. في العام 1994 كان الدكتور جعجع مستفرداً ومعزولاً ورافضاً الإنصياع للسلطة السياسية الخاضعة كلياً لقرار النظام السوري. وكانت هناك محاولة لتنصيب قيادات سياسية جديدة في الشارع المسيحي حتى لو لم تكن تحظى بحضور شعبي وسياسي. اليوم هناك محاولة لاختراق الساحة الدرزية ولكن القرار الأمني والسياسي ليس موجوداً في يد طرف واحد بغياب الحاكم المنفرد في الشام وفي عنجر. وإذا كانت الجهة المطالبة بتحويل قضية قبرشمون إلى المجلس العدلي تفعل ذلك بحجة أن “وزيراً منّا” أو “وزيراً من حلفائنا” تعرّض لمحاولة اغتيال فهل كانت ستطالب بذلك لو كان من تعرّض لمثل هذه المحاولة ليس منهم ومن حلفائهم؟

ربما كان من الأفضل للسلطة لو تركت القضية لمسارها القانوني والأمني الصحيح والعادي. فلا يجوز مثلاً أن يتم التفاوض لتسليم المطلوبين سواء كانوا من مناصري الحزب “التقدمي الإشتراكي” أو الأمير طلال أرسلان. هذا الأمر يجعل الأمن بالواسطة وهو ليس في مصلحة صورة هذه السلطة والقضاء ويفقد الثقة بالدولة. وربما كان من الأفضل أيضاً أن يترك التحقيق على الأرض للأجهزة الأمنية قبل إطلاق الإتهامات السياسية من أجل تكوين تفاصيل الملف وحيثياته. ومن الأفضل أن تعالج الأزمة في مجلس الوزراء بدل أن تؤدي إلى تعطيل الحكومة وتمنع انعقادها بحجة التمسك بطلب الإحالة على المجلس العدلي والذي لا تتوفر له الأكثرية المطلوبة في حال الذهاب إلى خيار التصويت. وفي ظل هذا الوضع كيف يمكن أن يقبل الحزب “التقدمي الإشتراكي”، إذا ذهبت القضية إلى المجلس العدلي، بأن يقترح وزير العدل اسم المحقق العدلي، طالما أن هناك أحكاماً مسبقة صادرة ويتم تبنيها سياسياً قبل اعتمادها قضائياً؟

ربما يأتي الحل عن طريق ما اقترحه الوزير السابق بالذهاب إلى مصالحة درزية ـ درزية برعاية رجال دين الطائفة ومراجعها الروحية حقناً للدماء وتداركاً لما هو أكبر وأخطر في ظل ما تمرّ به المنطقة من تطوّرات ليس لبنان بعيداً من تأثيراتها. وعند ذلك يكون اللجوء إلى القضاء هو الحل ولا يعود المشكل بعيداً من الروايات البوليسية تماماً كتلك الرواية التي كتب عنها الرئيس فيليب خيرالله في قضية سيدة النجاة.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى