“التجنيس” قرار تجاري – سياسي؟

“التجنيس” قرار تجاري – سياسي؟
“التجنيس” قرار تجاري – سياسي؟

كتبت صحيفة “العرب” اللندنية: يثير مرسوم رئاسي يمنح الجنسية اللبنانية للعشرات من الأشخاص بينهم سوريون مقربون من الرئيس ، جدلا واسعا في وغضبا في أوساط بعض السياسيين والشارع، في وقت تناضل فيه الجمعيات المتخصصة من أجل منح الجنسية لكثيرين من مستحقيها لا سيما أبناء اللبنانيات المتزوجات من أجنبي.

وتتوقف حملة الانتقادات عند ما يوصف بـ”السرية” التي تحيط بالمرسوم، الذي وقعه الرئيس ، ولم يتم نشر أسماء المستفيدين منه رسميا حتى الآن، وهو ما فتح الباب على مصراعيه لاتهام المرسوم الغامض بتجنيس شخصيات لدوافع سياسية ترمي إلى تأهيل شخصيات قريبة من نظام الأسد وتحصينها من العقوبات الدولية التي تطالها، ولدوافع مالية دفعها كبار رجال الأعمال الأجانب المشمولين بالمرسوم لجهات مجهولة.

صدر مرسوم التجنيس في 11 ايار، لكن لم يعرف عنه شيء إلى أن بدأت قبل أيام التسريبات في وسائل الإعلام التي تحدثت عن لائحة قد تتخطى 300 شخص من جنسيات مختلفة بينهم سوريون وفلسطينيون وعراقيون.

وتحت ضغط عاصفة الانتقادات، وبرغم صدور المرسوم واعتباره نافذا، أحالت رئاسة الجهورية الملف إلى المديرية العامة للأمن العام للتحقق من حق الأشخاص الواردة أسماؤهم بالحصول على الهوية اللبنانية.

وأثار وزير التربية في حكومة تصريف الأعمال مروان حمادة مسألة وجود أسماء على لائحة المرسوم ملاحقة في بلدها وبعضها ملاحق في وإيران. واستنكر طلب الرئيس عون من المواطنين إبلاغ الجهات الأمنية عن أي معلومات مريبة تطال بعض من طالهم مرسوم التجنيس، معتبرا أن هذه المسألة منوطة بأجهزة الأمن وليست من اختصاص المواطن العادي.

وطلب ميشال عون في بيان “من كل من يملك معلومات أكيدة بشأن أي شخص مشمول بالمرسوم ولا يستحق الجنسية اللبنانية، التوجه بمعلوماته إلى وزارة الداخلية – المديرية العامة للأمن العام”. ويملك الرئيس صلاحية منح الجنسية اللبنانية وحده بموجب مرسوم يشترك معه في التوقيع عليه رئيس الحكومة ووزير الداخلية.

ونشرت وسائل إعلام عدة لوائح بينها أسماء رجال أعمال معروفين منهم سوريون من الدائرة المقربة من النظام. ومن هؤلاء خلدون الزعبي، نائب رئيس مجلس إدارة شركة أمان القابضة، ومازن مرتضى ابن وزير تعليم أسبق، ومدير إذاعة “شام أف.أم” في سامر يوسف، ومفيد غازي كرامي الذي يوصف بأنه أحد مموّلي في السويداء، وسعيد القادر صبرا رئيس اتحاد غرفة الملاحة البحرية في ، وغيرهم.

وردا على الانتقادات دافع وزير الخارجية عن المعايير المعتمدة في مرسوم التجنيس الجديد، وقال في مؤتمر صحافي إن الجنسية يمكن أن تعطى “لكل أحد مفيد للدولة، إن كان صاحب أعمال أو مستثمرا أو صاحب سمعة جيدة، وللبنان مصلحة في إعطائه الجنسية”.

إلا أن تبريرات باسيل كشفت عن ارتباك حقيقي وحرج أصاب موقع الرئاسة اللبنانية. وعقد عون اجتماعا مع لتدارك تداعيات الأمر وتقرر على إثره تكليف المدير العام للأمن العام بإعادة التدقيق في السيرة الأمنية للمستفيدين من المرسوم قبل إصداره بالصورة النهائية.

وفيما دافع باسيل عن قيام ميشال عون بمنح الجنسية لمن يستحقها بشكل فردي، سخر السياسي اللبناني نوفل ضو من الإدعاء بالفردية بمرسوم يشمل حسب آخر التسريبات حوالي 400 اسم بما يعد تجنيسا جماعيا إضافة إلى كونه مغرضا ومشبوها.

وسبق لرجال أعمال أجانب أن استفادوا من مراسيم تجنيس سابقة خلال العقود الأخيرة لتسهيل استثماراتهم في لبنان لأن القانون اللبناني لا يسمح لرجال أعمال أجانب بالاستثمار من دون شركاء لبنانيين.

وأكد رجل الأعمال السوري المعروف فاروق جود، المقرّب من النظام السوري وهو صاحب شركات ومعامل عدة في قطاعات الأغذية والفولاذ والمطاحن، ما ذكرته التقارير عن تجنيس أبنائه الثلاثة، مشيرا إلى أن الهدف من طلبهم الجنسية “تسهيل أعمالهم”، ونفى أن تكون هناك أي خلفية سياسية لذلك.

وقال “أعمالنا الصناعية في تتطلّب مواد تمر عبر لبنان وأخرى مستوردة من لبنان، ولذلك لجأ أولادي الذين يتنقلون بشكل شبه أسبوعي تقريبا بين البلدين، إلى طلب الجنسية”. وتابع “لدينا مواد كثيرة تشحن عبر المرافئ اللبنانية وتحتاج إلى متابعة وتحميل، وهذا بالأصل مفيد للبنان (..) إنها إضافة للاقتصاد اللبناني”. ومن شأن حصول أبناء جود على الجنسية تسهيل فتح شركة للعائلة في لبنان، وفق ما يقول، موضحا “ليست لدينا استثمارات حاليا في لبنان لسبب بسيط هو أننا لا نريد أن نتشارك مع أحد، نريد شركة نملكها نحن”.

ولم تقنع هذه الاعتبارات معارضي المرسوم من الفرقاء السياسيين، وأبرزهم الحزب التقدمي الاشتراكي (درزي) وحزبا القوات اللبنانية والكتائب اللبنانية (مسيحيان) والآلاف من اللبنانيين الذين تهكموا على .

وقال النائب وائل أبوفاعور، من الحزب الاشتراكي المناهض للنظام السوري، “هذا المرسوم لن يمر مرور الكرام ولا يمكن القبول بتحويل الجنسية اللبنانية إلى سلعة تباع مقابل الأموال ولمن؟ للقتلة ولكبار معاوني القتلة”، في إشارة إلى النظام السوري الذي يعارضه الحزب بقوة.

وأعاد الأمر إلى الأذهان مرسوما صدر في العام 1994 في ظل الهيمنة السورية على لبنان لتجنيس آلاف الأشخاص من السوريين والذي أثار تنديدا من قبل المعارضة اللبنانية آنذاك، لا سيما من قبل الذي كان يتزعمه الرئيس الحالي ميشال عون. وأتاح هذا المرسوم دخول كتلة ناخبة تأتي من سوريا عبر الحافلات ويستخدمها النظام السوري للتصويت لصالح حلفائه بأي انتخابات لبنانية.

وتوقف كثيرون عند قيام فريق عون بالدفاع عن المرسوم، في وقت قدم أعضاؤه أنفسهم لسنوات طويلة على أنهم “أبطال” رفض مرسوم التجنيس السابق منعا لجعل “التوطين” أمرا واقعا.

تجاهل من يستحق

أكثر ما أثار غضب ناشطين حقوقيين هو تجاهل المرسوم لآلاف الأشخاص من مكتومي القيد، وآلاف الأمهات اللبنانيات المتزوجات من أجانب والممنوعات من نقل الجنسية لأولادهن. وليس هناك إحصاء رسمي لمكتومي القيد، وهم أشخاص غير مسجلين، يعملون بشكل غير رسمي ولا يملكون حق التملك، ولا يحملون سوى ورقة تعريف من المختار برغم أنهم يعيشون منذ عشرات السنين في لبنان.

ويتراوح عددهم، وفق دراسة أجرتها جمعية رواد الحقوق المختصة بقضايا مكتومي القيد، بين 40 و60 ألفا يعيش معظمهم في مناطق فقيرة نائية. وتقول سميرة طراد من الجمعية “قانونيا هم أشخاص غير موجودين، نكرة، لا وجودك مسجل ولا موتك مسجل”، مضيفة “قبل أن نجنّس الناس من الخارج، يجب أن تأخذ الدولة قرارا للحد من ظاهرة مكتومي القيد وهم أكثر من لهم أحقية بالجنسية”.

وتعيش ناتالي مجدلاني (42 عاما)، وهي من أب فرنسي وأم لبنانية، في لبنان منذ 38 عاما من دون أن تحصل على الجنسية. وتقول “تربيت وكبرت ودرست هنا لكن لا يمكنني أن أحصل على الجنسية”. وتضيف “كل ثلاث سنوات أجدد إقامتي. فقدت الأمل في الحصول على الجنسية، ثم أجد اليوم أن آخرين لا يعيشون حتى هنا حصلوا عليها. لماذا؟ لأنهم يملكون المال؟ من هم هؤلاء ولماذا يحق لهم بالجنسية وليس أنا؟”.

ويقول بعض المراقبين إن الرئيس اللبناني وقّع على مرسوم تواطأت الطبقة الحاكمة في إعداده وإن تسريب هذا المرسوم أتى من داخل كواليس السلطة من أجل تقويض المرسوم من جهة وكشف ممارسات قصر بعبدا من جهة أخرى. ويضيف هؤلاء أن الإعلام لعب دورا كبيرا في كشف المرسوم على نحو أجبر بعض المستفيدين منه على التبرؤ منه أو نفي وجودهم داخل لائحته، كما أجبر الرئاسة إلى الإسراع في لملمة القضية وتصحيح حيثياتها.

وتسلط الأزمة مجهرا على مسألة التجنيس في لبنان التي لطالما أثارت جدلا خلال العقود الأخيرة. فالمسيحيون يخشون من أن تسمح آليات التجنيس من التلاعب بالتوازن الطائفي في البلد لصالح الطوائف الإسلامية، فيما ترى أوساط حقوقية أن قانون الجنسية بات متخلفا ومتقادما بحيث من يستحق الجنسية من الحصول عليها فيما يستفيد منها أصحاب النفوذ والمال بالتواطؤ مع أصحاب السلطة في البلد بشكل استنسابي لا يخضع لأي رقابة صارمة. وجرى صدور المرسوم الأخير بشكل سري لإخفاء اللبس الذي شابه بما يثبت أن من عمل على إعداد هذا المرسوم كان يدرك أن الجهر به سيسبب فضيحة على النحو الذي جرى بعد ذلك.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى