في زمن “السيرك السياسي”… الحيوانات ‘حبل نجاة” للبنانيين

في زمن “السيرك السياسي”… الحيوانات ‘حبل نجاة” للبنانيين
في زمن “السيرك السياسي”… الحيوانات ‘حبل نجاة” للبنانيين

كلاب، حمير، بغال، بسينات (قطط)، بهائم… صار قاموس اللبناني اليومي حافلاً بأسماء الحيوانات يستعملها للتعبير عن النقمة التي تعتمل بداخله تجاه الأوضاع البائسة التي يمر بها ومَن كانوا السبب فيها.

لكن هذه المخلوقات لم تَعُد مجرد مفردات في لغته بل تعاظمتْ الحاجةُ إليها سَنَداً فوق العادة يدعمه نفسياً ويعوّضه مادياً في… زمن العَوَز.

يقال إن الصديق وقت الضيق. وحين احتاج اللبناني إلى مَن يقف بجانبه، وَجَدَ في الحيوانات على أنواعها خير صديق في «معاركه اليومية» لسدّ جوعٍ أو تأمين أبسط مستلزمات الحياة.

مع أزمة البنزين التي تشدّ بخناقها على أعناق اللبنانيين، ظهرت إلى العلن مشاهد لافتة لم يألفها هذا الشعب من قبل في شوارعه.

فأحد المواطنين توجّه إلى محطة للوقود تشهد زحمة جهنمية وعلى ذراعيه تلتف أكثر من أفعى ونزل بها بين المصطّفين أمام الخراطيم ليثير الذعر بينهم ويُبْعِدهم عن دورهم ويجبر عمال المحطة على ملء خزان سيارته.

وبعد أيام توجّه مواطن آخَر إلى محطة أخرى على ظهر حمار صغير حتى يشتري غالوناً من البنزين لسيارته الخاوية المتوقفة في أحد الشوارع، في حين وضعت إحدى شركات تنظيم الأعراس إعلاناً طريفاً فيه صورة حمار مزيّن بالورود عارضة إياه كبديل للعروسين عن سيارة الزفاف في خضم أزمة البنزين.

الحمار بعد الدمار

أما تصريحُ وزيرِ الطاقة ريمون غجر، بأن غير المقتدرين من اللبنانيين الذين لن يتمكنوا من شراء صفيحة البنزين متى رُفع عنها الدعم ليصبح سعرها نحو 200 ألف ليرة سيضطرون لاستخدام وسائل أخرى، فقد أثار عند مختلف أبناء «بلاد الأرز» موجة من السخرية والغضب جعلتهم يستذكرون الحمير و«الطنابر» التي تجرّها البغال أو حتى عربات يدوية تجرّها الديوك كوسيلة نقل بديلة في غياب نقل مشترك منظّم أو سكك حديد.

وقبل ذلك كان المدير العام لشركة «أوجيرو» للاتصالات عماد كريدية، قد حذر من إمكان توقف خدمة الانترنت بسبب نقص في مادة المازوت المستخدمة في تشغيل مولدات الطاقة في ظل الغياب المستمر للتيار الكهربائي، ومن انقطاع عدد من محطات الخلوي في بعض المناطق نتيجة شحّ المادة نفسها، الأمر الذي جعل المواطنين يسألون عن إمكان استخدام الحمام الزاجل كوسيلة للتواصل بين اللبنانيين في غياب أو غيبوبة وسائل التواصل المعهودة.

مُضْحِكٌ مُبْكٍ أمر اللبنانيين الذين يجدون في الحيوانات حلاً ساخراً لمشاكلهم. فحين غزا الجراد بعض مناطق الشمالية والبقاعية، لم يجدوا فيه الكارثة المدمّرة للزرع التي ترافق عادةً هذا النوع من «الاجتياح»، بل رأوا فيه منافسة غير متكافئة بين الجراد وجشع المسؤولين الذين أكلوا الأخضر واليابس ولم يتركوا إلا الفتات.

حتى أيام الشتاء حين كانت تعوم الطرق بمياه الأمطار، لم يكن من متنفس للغضب أمامهم سوى نشر لأسماك القرش تجول وسط الشوارع في العاصمة والضواحي وتتحدى «قروش السلطة».

وحين كان يشتدّ الحرّ صيفاً وتغيب مكيفات الهواء نتيجة وعدم قدرة المولدات على التحمل، كانوا يرسمون صوراً لفرّوج يتلوى على الشواية تعبيراً عما يكتوون به من نار الحر والفساد التي لم تُبْقِ «دهوناً على أجسامهم».

صُوَرٌ ساخرةٌ بلا شك لكنها تعبّر عن حالة القرف التي يغرق فيها اللبنانيون و«تمسحة» المسؤولين. لكن الأمر في الواقع أبعد من السخرية بكثير، ولجوء اللبنانيين إلى الحيوانات لم يعد مجرد صور تهكُّمية بل صار حاجة حيوية تعينهم على الصمود.

عودة إلى زمن الدواجن والماشية

حين تلوثت بحيرة القرعون بمواد كيماوية سامة ونفقت فيها كميات كبيرة من الأسماك، وجد فيها الكثير ممن لم يعودوا قادرين على تأمين لقمة عيشهم وسيلة للاسترزاق وإطعام عائلاتهم، فبادروا إلى جمع السمك النافق الموبوء رغم ما يحويه من سموم وأمراض وحملوه إلى بعض الأسواق الشعبية لبيعه بأسعار زهيدة تؤمن للعائلات المعدمة وجبة قد لا يلقون لها شبيهاً في القريب العاجل.

وكأن لم يتبقَ لهذه الفئة التي تخطت خط الفقر بمراحل إلا جيف الحيوانات النافقة تقتات بها في ظل انتظار تلك البطاقة التمويلية العتيدة التي وعدت بها الحكومة (المستقيلة) ولم تضعها قيد التنفيذ بعد.

سعر اللحوم الحمراء والدجاج الذي لا ينفكّ يرتفع يوماً بعد يوم أعاد بعض اللبنانيين إلى عهد تربية الدواجن قرب البيت، وزمن اصطياد الطرائد في الغابات والأحراج وإلى هواية صيد الأسماك لتأمين بعض مصادر اللحوم لعائلاتهم. ووجد البعض في تربية الدواجن والماشية حلاً بديلاً عن شراء اللحوم، حتى أن بعض الأحزاب قد زودت مناصريها في بداية الأزمة بكميات من الدواجن والأرانب وحتى ببعض الأغنام والماعز لتربيتها قرب المنازل لتكون مصدر دعم لهم في الأوقات الصعبة.

وتهافت الناس الذين كانوا قد نسوا تماماً طرق العيش القديمة وتربية الدواجن والمواشي ولم يعد لهم أي علاقة تُذكر بها للعودة إلى هذه التقاليد القديمة ظناً منهم أنهم بذلك يؤمنون شيئاً من أمنهم الغذائي في غياب وزارة الزراعة الكلي عن القطاع الحيواني.

لكن تبيَّن مع اشتداد الأزمة المالية أن سعر الأعلاف المدعومة قد تصاعد بشكل كبير نتيجة تهريبها إلى الخارج أو تخزينها من التجار بحيث باتت العائلات الفقيرة المعدمة غير قادرة على شراء العلف لماشيتها ودواجنها ولم تستطع استغلالها كما يجب لجني الثمار من لحومها وحليبها، لا بل تحولت هذه الحيوانات عبئاً على أصحابها واضطر الكثيرون إلى التخلي عن هذا الاستثمار الذي أملوا أن يساعدهم في معيشتهم.

وحتى أعلاف الحمير (مثل التبن والشعير) التي أمل اللبنانيون ساخرين أن تصبح وسائل النقل المنتظرة في مرحلة ما بعد رفع الدعم عن المحروقات باتت أسعارها مرتفعة جداً بحيث لم يعد ممكناً إلا تركها ترعى على حريتها في المراعي الجبلية التي تبقّى فيها شيء من خضار. أما في المدن فالأمر ميؤوس منه.

حتى صيد الطرائد لم يعد في متناول اليد بعد ارتفاع سعر خرطوش الصيد المستورد من الخارج بشكل كبير جداً جعل الحصول عليه أمراً يلامس المستحيل.

أزمات نفسية حيوانية

ارتفاع الأسعار الذي انسحب على كل مقومات الحياة انسحب كذلك على سعر أغذية وأطعمة الحيوانات الأليفة، التي كانت فئات كبيرة من اللبنانيين تربّيها في منازلها وتشكّل دعماً عاطفياً لها يخفف عنها وطأة الأزمات، الأمر الذي حدا بقسم كبير منها إلى التخلّي عن كلابه وهرره لأنه لم يعد قادراً على تأمين اللقاحات لها والأدوية والأطعمة الخاصة.

ويقول أكرم جندح، وهو صاحب محل لبيع مستلزمات الحيوانات الأليفة، إن الوضع الاقتصادي أثّر على معاملة اللبنانيين لحيواناتهم وقسمهم إلى فئتين: واحدة لم تعد قادرة على الاعتناء بحيوانها فراحت تبحث عمن يتبناه ويؤمن له حياة أفضل. وأخرى وهي الفئة المقتدرة سعت لتخزين كل ما يلزم لحيواناتها لأشهر إلى الأمام وتموّنت بكميات كبيرة من الأطعمة والاحتياجات حتى لا يعتاز الحيوان شيئاً ويبقى معزَّزاً مكرَّماً في بيته…

ويؤكد الخبير أن الأزمة المالية ألقت بظلالها على عملية بيع مستلزمات الترف والألعاب والإكسسوارات بالنسبة للحيوانات بحيث باتوا هم أيضاً كأصحابهم يشعرون بالعبء النفسي والعاطفي للأزمة الاقتصادية التي حرمتهم التنعم بلذة العيش.

هكذا في لبنان، الذي يدفع أهله أثمان «السيرك السياسي» المتمادي فوق مواجعهم وفواجعهم، صارت الحيوانات تشارك اللبنانيين في تحمُّل وطأة المتاعب التي يمرون بها، وتساندهم على الصمود بلحمها الحيّ حيناً وبدعمها العاطفي حيناً آخر… وبالسخرية في كل الأوقات.

المصدر: الرأي الكويتية

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى