استحقاقات ما بعد “لقاء الاليزيه”: المطلوب واضح فمن يترجم النوايا؟

استحقاقات ما بعد “لقاء الاليزيه”: المطلوب واضح فمن يترجم النوايا؟
استحقاقات ما بعد “لقاء الاليزيه”: المطلوب واضح فمن يترجم النوايا؟

جاء في “المركزية”:

اما وقد انتهى “لقاء الإليزيه” بين الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون وضيفه رئيس الحكومة نجيب ميقاتي بحضور اقرب المقربين الى الرجلين وكاتمي اسرارهما، فان من المفترض ان تتوجه الانظار الى ما بعد هذه المحطة والتمعن في مسلسل التعهدات التي قطعت على باب القصر وما يمكن ان يتحقق منها وفق جدول الاولويات التي فرضتها نوعية هذه الوعود ومضمونها قياسا على حجم القدرات الضامنة لتنفيذها وما يمكن ان تسمح به ظروف كل منهما على المستويات الداخلية والخارجية.

وعليه تتجه الانظار الى الساحة اللبنانية الداخلية لمراقبة ما يمكن ان تقوم به الحكومة الجديدة والاطراف التي دعمتها ومنحتها الثقة من اجل تسهيل مهمتها. فلم يكن اللبنانيون يحتاجون الى جردة الملاحظات الفرنسية التي وجهها الرئيس الفرنسي بما حملته من تأكيدات إضافية على مجموعة مماثلة منها، وقد سبق للبنانيين ان تعهدوا بالتزامها شفهيا وعملوا ما بقدرتهم على تجنبها وتجاوزها واحدة بعد أخرى، الى ان عبرت الاشهر الثلاث عشرة التي تلت اطلاق المبادرة الفرنسية من دون ان يتحقق منها سوى تشكيل الحكومة والتي اعتبرت الخطوة الالزامية الاولى التي منحت اللبنانيين يومها مهلة اسبوعين لتشكيلها.

ومن هذه المنطلقات، تعتقد مصادر سياسية عبر “المركزية” ان التمعن بمضمون كلمة ماكرون التي صيغت بعبارات واضحة ودقيقة عبرت عن قدرة الفرنسيين على الصبر والجلد على تحمل الكثير من المماطلة اللبنانية التي عكستها طريقة التعاطي مع تشكيل الحكومة الجديدة للتملص من تعهدات سابقة، ولم يظهر بعد ان هناك متغيرات اساسية كبرى يمكن ان تنم عن قدرتهم على تلبية اي منها. او على الاقل تأمين ما يضمن وقف الانهيارات المتتالية في الكثير من القطاعات الهامة ولجمها تمهيدا للعبور الى المراحل اللاحقة المؤدية الى التعافي والانقاذ.

يراهن الفرنسيون ومعهم الجهات الدولية والاممية الداعمة على ان لا بد من ان تخطو الحكومة الميقاتية اولى المحطات المطلوبة منها ولو على الورق، واولها اطلاق ورش العمل الخاصة بالاصلاحات الادارية والمالية بدءا من المالية منها لفتح ابواب الحوار مع صندوق النقد الدولي والجهات الدائنة في موازاة بدء التحضير للخطوات التي تضمن المباشرة بالحوار معها. فالمجتمع الدولي يدرك حجم الافلاس المالي ويتعاطى مع هذه القضايا على خلفية ما يمتلكه من معلومات دقيقة يقال انها ادق من تلك التي تمتلكها الجهات اللبنانية سواء اصر البعض على تجاهلها والتنكر لها او غابت عن آخرين فالنتيجة واحدة. فلبنان لم يتوصل بعد الى رقم موحد لحجم الفجوة المالية في مصرف والقطاع المصرفي ولا الى تقدير نهائي لحجم الخسائر، ولا الى التصور الواضح لكيفية توزيعها على باقي المكونات اللبنانية من كيانات وأشخاص.

على هذه الخلفية يتساءل المراقبون، عبر “المركزية” هل لدى القوى السياسية والحزبية التي حضرت على طاولة مجلس الوزراء القدرة على ولوج هذه المحطات قبل التوصل الى ضمان ما اراده كل منهم من هذه التركيبة الحكومية. فهذه الأسئلة منطقية وواقعية ومنها على سبيل المثال لا الحصر:

– هل هناك توافق بين الاقطاب الذين يمسكون بالاكثرية النيابية على اولويات الخطوات المقررة ماليا واداريا وما الذي تغير على مستوى المواقف من كيفية مواجهة الازمة النقدية فلكل منهم نظرته القائمة منذ ما قبل مسيرة التكليف والتاليف الحكومية ولم يظهر ان احدا تراجع عن مواقفه الاستراتيجية؟

– هل من الممكن ان تنطلق ورشة العمل للحكومة الجديدة بعدة الحكومات السابقة لتطبيق قراراتها وسط نظرية تقول ان مجرد العودة الى اعادة تركيب الحكومة وفق الحصص التقليدية لا يوحي بان ايا منهم مستعد لتغيير الطاقم الإداري والمالي والتقني الذي جهد في تركيبه في قلب الإدارة على النحو الزبائني القائم. فجاءت الحكومة لتكرس موازين القوى نفسها التي عطلت الحلول السابقة وعرقلتها، لتوحي بانها “مجلس إدارة” جديد لا يرتقي الى منزلة “حكومة المهمة” التي تعرف ما تريده ويمكن ان تحقق منه شيئآ؟

– هل ستتمكن الحكومة من انجاز خطوتين اساسيتين تحدث عنهما ماكرون عارضا الشراكة الفرنسية – اللبنانية اسلوبا لادراتها وتحديدا في ملفي الطاقة والشفافية والحوكمة في الإدارة اللبنانية وهو ما يفرض على الاقل على الحكومة ان تتوصل الى خطة واضحة للقطاعين المالي والكهربائي.

– وهل أن سعي الحكومة الى تشكيل وفد لبنان المفاوض مع صندوق النقد الدولي في اول جلسة لها كاف لاقناع العالم وفي مقدمهم بانهم قادرون على توفير متطلبات العودة الى طاولة المفاوضات معه والانتقال من المرحلة النظرية الى المرحلة التطبيقية منها.

على مسلسل هذه المعطيات يتوقف الرهان في الأسابيع المقبلة ، فان نجحت الحكومة في عبور اي منها والتأكيد على قدرتها لتجاوز المصالح الضيقة سيبنى الكثير. فامام الحكومة مهلة قصيرة للغاية ولا وقت لاعاة النظر بالكثير من الخطوات المطلوبة فخريطة الطريق واضحة وما على اللبنانيين سوى انتظار الأفعال فهل سيتنازل اصحاب المصالح الضيقة عن البعض منها لصالح ما يصب في مصلحة البلد ككل لتنجح الحكومة في مهمتها الإستثنائية العاجلة؟

عكست النوايا في الفترة الاخيرة امكان تحقيق خطوات متواضعة قد تكون كافية لاقناع العالم بتزخيم برامج المساعدات ربطا بضمان وصولها الى اللبنانيين مباشرة كما قال ماكرون بكل صراحة في كلمته بعد اللقاء. فمن الصعب استعادة الثقة الدولية بالإدارة الرسمية ومؤسساتها المشلعة بالسرعة التي يتمناها البعض. وهو الاستحقاق الاكثر دقة وخطورة فان اقتربنا مما هو مطلوب ستكون الطريق الى مرحلة التعافي والإنقاذ اقصر مما يتصوره احد.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى