الفساد ومصلحة الطوائف

الفساد ومصلحة الطوائف
الفساد ومصلحة الطوائف

كتبت د. خديجة مصطفى في صحيفة “اللواء”:

في معرض التفتيش عن معنى مفهوم الفساد ومضمونه العام، نجد أنفسنا أمام الفكرة التالية:

إنّ الفساد في معناه ومضمونه يتضمّن أمرين: من جهة هناك معنى وجود قوانين وقواعد مؤسّسية عامة ومحدّدة، فلسفتها «الفرد والمواطن» تفرض نفسها عليه، تمتاز بقوّة قاهرة وضاغطة، تقنّن السلوك المجتمعي للفرد. وعدم الشعور بالضغط والقهر لا يعني عدم وجود القوانين، يكفي مخالفة بعض القواعد القانونية كي يظهر بأجلى صورة.

إذن قوانين وقواعد مؤسّسية، تملك قاعدة نظرية هي «الفرد الفاعل «، تحدّد سلوك «المواطن الحر المستقل» في المجتمع، وتؤسّس لفصل واضح، بين ما يمكن فعله، وبين ما لا يمكن فعله. بين ما هو مرغوب فعله، وما يفترض فعله. ومن جهة ثانية هناك معنى وجود «فرد» «مواطن»، يسعى في ممارسته اليومية الواقعية الحياتية، إلى تحقيق مصالحه الخاصة، غاياته الشخصية والفردية خارج إطار هذه القواعد، وهذه القوانين، والذي ينتج عن هذه الممارسة الفردية، والسلوك الفردي، خارج إطار القوانين، والقواعد العامة هو الفساد، الفرد الفاسد، أفراد فاسدون.

هذه هي إذن الصورة المنطقية النظرية، لوجود قوانين وقواعد فلسفتها الفرد، وممارسة الفرد في سبيل تحقيق مصالحه، خارج إطار القواعد المذكورة التي تكون نتيجتها الفساد. وهذا هو الفساد كمفهوم نظري، الذي يجب أنْ يُتيح لنا فهم ما يجري في أي المحسوس. ولكن ماذ  لو طبقنا هذه الصورة المنطقية، التي تُنتج مفهوم الفساد على الواقع اللبناني؟، ماذا نجد لو فتّشنا بواسطة هذه الصورة النظرية عن الفساد في الملموس اللبناني؟، هل يُعبّر مفهوم الفساد بمضمونه عن واقعنا؟.

في الحقيقة ما نجده هو التناقض الواضح والصارخ، نجد القوانين الموضوعة، محدّدة، منصوصة، فلسفتها الفرد والمواطن حاضرة وقائمة، بينما ما يمارس على أرض الواقع اللبناني ليس الفرد ومصلحة الفرد الخاصة، بل ما يمارس هو الطائفة ومصلحة الطائفة والطوائف وغاياتها.

هنا يحصل التناقض الرهيب بين القوانين وفلسفتها القائمة على الفردنة وبين الممارسة الطائفية في المصالح. فما هي نتيجة هذا التناقض؟، هل هو الفساد عينه؟

الفساد الناتج عن هذا التناقض، هو ليس فساد فرد أو أفراد، بل هو فساد «وضع». الوضع اللبناني فاسد، وليس كما يظن البعض، هناك فرد أو أفراد أو مسؤول، مدير، سياسي، موظف، عامل، فاسد … إلخ، على العكس تماماً، إنّ الممارسة الواقعية تقع خارج إطار القوانين هي لمصلحة الطوائف، وليس لمصلحة الفرد والافراد.

وإذا عدنا الآن، ونظرنا بهذا الفهم الذي يرى أنّ الفساد في ، ليس فساد أفراد بل فساد وضع ناتج عن تناقض بين القوانين وفلسفتها المواطن الفرد، وبين ممارسة في الواقع تأخذ طابعا طائفيا، نصل الى النتيجة التالية: لا يوجد فرد، شخص على ارض الجمهورية اللبنانية الا وهو فاسد، جميعنا فاسدون دوان استثناء، سواء كان ذلك عبر مشاركتنا الفعلية في الفساد او عبر الاستفادة من الوضع الفاسد بطريقة مباشرة او غير مباشرة. وليعد كل منا الى نفسه ويتأمل ويرى كيف توظف وحصل على عمل، ترقي، فتح مشروعا، مؤسسة، زفّت طريقا.. ولنبحث جيدا، نعم جميعنا فاسدون دون استثناء، جميعنا مستفيدون من الفساد او مشاركون به، كل له طريقته التي تتوافق مع ممارسة طائفته. في لبنان الفساد ليس فساد فرد وافراد إنما فساد وضع ككل.

ما الحل؟، كيف نغيّر الوضع؟ الحل ليس كما يظن البعض عبر تطبيق القوانين ونشر ثقافة احترامها والتقيّد بها، أو البحث والكشف عن الفاسدين واستئصالهم، أو المحاسبة، الرقابة، ولا إلغاء المعايير المزدوجة. ولا ينفع ان نتشدق بكلام وعبارات نشرح ونحدد ونحلل، مكامن الخلل والفساد، ولا برفع شعارات ورايات وانتظار موقف، ورد فعل، ولا التلويح بأرقام واسماء وملفات… إلخ

الامر تخطى هذه المرحلة في لبنان. الفساد ليس من طبيعة الحلول المطروحة التي ترى الفساد فساد افراد. نحن بحاجة الى حلول تتناسب وطبيعة الفساد الذي يحقق مصالح الطوائف، وبما ان وجود طائفة واحدة كحل للمأزق مستحيل وغير متاح مبدئيا. لا حل إلا بوطن مختلف، أفراد آخرون، أسرة مختلفة، وفرد مختلف. وإلا سيبقى الفساد في لبنان شبحا متخفيا، لا نعلم من هو؟، وأين هو؟ نلاحظ اثاره وعوارضه ونعمل على علاجات مؤقتة مهدئة للعوراض. الفساد في لبنان رأسمال يستثمر به لمصلحة الطوائف.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى