المارونية السياسية تكرر اللعب بالميثاقية اللبنانية

المارونية السياسية تكرر اللعب بالميثاقية اللبنانية
المارونية السياسية تكرر اللعب بالميثاقية اللبنانية

كتب أحمد جابر في المدن:

أراد الموارنة وطناً نهائياً لهم، لم يكن ذلك اختياراً حرّاً طوعياً يجمعهم مع اختيارات طوعية أخرى من قبل الذين سيصبحون لبنانيين لاحقاً، بل أن النهائية التي أشارت إليها المارونية السياسية لاحقاً، باتت توازي ملكية الجغرافيا اللبنانية، وهكذا صارت "لهم" دليلاً على معنى "يخصهم حصرياً" من دون غيرهم. وكما كان ممتنعاً على المارونية الملكية الخاصة الحصرية المادية، على صعيد الأرض والبحر والفضاء والتضاريس، حرصت النخبة المارونية على التأسيس لاستئثار "فوقي" في السياسة وفي الإيديولوجيا، بحيث يبقى لمن رضي بالشراكة مع المارونية وارتضته شريكاً، حصة في لفظ الكيانية اللبنانية من دون "أصالتها"، وقسطاً من الغنم الذي يعادل فتات القبول بموقع المستتبع في تراتبية التشكيلة الطائفية الناشئة التي تصدرتها الحكاية المارونية الموروثة في زمن الإمارة، فيما كان يعرف باسم "جبل لبنان".

سيرة مخالفة
ما نظّرت له المارونية الصاعدة عن الوطن الملجأ، وعن الوطن والرسالة لم تبذل في سبيل الحفاظ عليه في التطبيق، ما يجعله وطناً كشرط أول لباقي شروط حمايته واستدامته. المارونية تلك عمدت، وفي محطات تاريخية متكررة، إلى اللعب بالميثاقية التي مكَّنت لوجود ما اعتبرته لبنانها، هذا الذي كان "صغيراً"، فصار مع الانتداب "كبيراً"، وعرَّضت بنية الداخل الحديثة الولادة إلى شروخ طائفية تتناقض مع "الميثاق الاستقلالي" الذي حرص على أن لا يكون لبنان "ممراً ولا مستقراً". فعلها الرئيس كميل شمعون عام 1958 فسمح بنزول قوات المارينز الأميركية على الأرض اللبنانية. كرَّر الفعلة الرئيس سليمان فرنجية مع شريكيه، بيار الجميل وكميل شمعون أيضاً، عام 1976، فنزل السوري حليفاً مؤازراً الخط "الكيانية اللبنانية". عام 1982، فعلتها الجبهة اللبنانية، باسم المارونية السياسية، فحلَّ العدو الصهيوني محتلاً مرحَّباً به في شطر من الأرض اللبنانية، وبين جمهور واسع من أبناء هذا الشطر من الجغرافيا البشرية والسياسية.. لقد رافقت أوهام الغلبة كل السياسات التي استعانت بالأجنبي، فلمّا تبدَّد الوهم تكشفت الصورة عن هزيمة عامة نزلت بكل الصيغة اللبنانية.

تكرار السيرة
ولأن الماضي يظل فعلاً تأسيسياً في الحالة اللبنانية، ولأن الإيديولوجيا "المؤسطرة" تجد عناية تجسيدية تستحضرها في صورة زعيم أو في خرافة حكاية أو في عنفوان شعري أو في نص استقلال منعزل أو معزول.. لكل ذلك لا تذهب الماضويات إلى الماضي، بل تجد لها نسخاً متكررة، معدَّلة وغير منقَّحة، على أيدي أسماء جديدة، وفي ظروف مادية مغايرة.

الماضي الذي انبعثت لغته مجدداً، تتوالى مفرداته على ألسنة "تيار" يحرص على أن يكون "وطنياً وحراً"، ويتولى النطق باسم الوطنية والحرية وزيران من هذا التيار، أحدهما وزير المهجرين الذي يبدو وكأنه يشخذ نصل وهم استعادة الهيمنة التي أضاعها أسلافه، والثاني وزير الخارجية الذي يريد توظيف الاختلال الداخلي لينال الحصة الممكنة الأهم من "جبنة" الغنائم اللبنانية. يتشبه الوزيران وتيارهما بنسخة الرئيس الراحل بشير الجميل، ذاك الذي أراد هيمنة بالجملة على لبنان تولى ترجمتها بعده الرئيس الآخر أمين الجميل، فتحولت على يديه وأيدي القوات اللبنانية إلى حرب شاملة في الجبل وفي إقليم الخروب وفي شرق ، ودائماً تحت أعين وفي ظل حراب الاحتلال الإسرائيلي.

كانت السنية السياسية والدرزية السياسية موضوع الخصومة، الأولى أي السنّية بسبب من شعورها بالغُرم بعد ميثاق الاستقلال وخلال السنوات القليلة التي تلته، والثانية كانت مع الجنبلاطية بقيادة الراحل كمال جنبلاط، ثم مع وريثه الإبن ، بعد انغلاق النظام اللبناني على ذاته وتصديه لكل محاولات إصلاحه. كان انقساماً لبنانياً عاماً خالطته قوى اجتماعية من خارج أدبيات الطوائف والمذاهب، لكن الحصيلة العامة كانت ذات سمة أهلية واضحة، لكأن السياسة العابرة للطوائف كانت عابرة، وكأن النظام أعاد تكييف نفسه طائفياً، حسب معطيات كل محطة تاريخية.

وجوه الاختلاف
راهناً، تختلف صورة المارونية السياسية لجهة عدم وحدتها في الخطاب، وعدم تشابهها في اختيار الحلفاء، ولتمايزها قليلاً في صياغة خطاب طلب الدور، والسعي إلى استعادة بعض مقومات الوزن المفقودة.

على صعيد الصورة العامة، تخوض المارونية معركة بينية على صدارة النفوذ، ومن المفارقة أن "خط بشير الجميل الأصلي" الذي ورثته القوات اللبنانية، يبدو الأكثر اعتدالاً في طرح مطالبه الداخلية، في الوقت الذي ينحو فيه "" إلى أن يكون "بشيرياً" أكثر. هذه الاستعادة للبشيرية في غير زمانها ومكانها ومن خارج السياق الذي كان لها، تختار الإقصاء مجدداً، وبالاستناد إلى نسخة تحالف من شقين: داخلي وخارجي، تنعقد الغلبة فيه للشيعية السياسية. بقراءة غير معقدة: يسعى "التيار" إلى قطاف يبدو دانياً له، من خلال ظرف اشتباك الإسلام السياسي بفروعه المتعددة محلياً، ومن خلال اشتباك ذات الإسلام بشقيه الشيعي والسني في عموم منطقة الإقليم العربي ومحيطه. في هذا الميدان المعقد يغيب عن "التيارية الحرة" أن السماح الذي تبديه الشيعية السياسية لها مؤقت وظرفي، ويغيب عنها أيضاً أن ما انتزعته سيوف الإسلام السياسي من مكاسب عامة، لن تستعاد من قبل الطموح الماروني بالإتكاء على سيف من تلك السيوف، وبوضوح، كان سيف الشيعية وما زال، هو السيف الأمضى في وجه السنية السياسية وفي وجه المذهبيات السياسية جميعها.

إذن..
مجدداً، إن القراءة التاريخية والقريبة والراهنة، لا تشهد في صالح المتلاعبين بأسس التشكيلة اللبنانية، بل هي تشهد لقلة دراية الساسة الجدد الذين لا يستخلصون من دروس التجربة اللبنانية المريرة، ولعل الدرس الأهم الذي بات معلوماً من الواقعيين، هو أن التغلب الطائفي المذهبي المستدام غير ممكن واقعياً، وأن الكسر الطائفي المذهبي في الشارع مستحيل.. لذلك، يجب ألا يُلدغ اللاعبون من ذات جحر السياسة مرات ومرات.. هذا ما توصي به اللبنانية.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى كرة النار بيد الحريري: التمسك بالحكومة أم إنقاذ البلد؟



 

Charisma Ceramic