الزِنى السياسي في شارع المتنبّـي

الزِنى السياسي في شارع المتنبّـي
الزِنى السياسي في شارع المتنبّـي

كتب جوزف الهاشم في صحيفة “الجمهورية”:

أبَتْ شفتايَ اليومَ إلاّ تكلُّماً     بشـرٍّ فما أدري لـمَنْ أنا قائِلُهْ (الـحُطَيْئَـة)

عندما تسمع رجال الدولة الكرام، المسؤولين عن شؤون البلاد وشجونها، وهم يتبادلون الشتائم والنابي من الكلام تراشقاً: بين وتيار المستقبل، وبين حزب القوات اللبنانية والتيار الوطني الحر، وبين والحزب التقدمي الإشتراكي، إلى عنيف السجالات بين سائر الجبهات، يُخَّيلُ إليك أنك في شارع المتنبِّـي، هذا الشاعر الكبير الذي أطلقوا إسمه على سوقٍ للبغايا في .

وهؤلاء المتشابكون بالشَتْم: هم الدولة والحكّام والسلطة والحكومة والنواب والأحزاب، هم الذين يمثّلون الأمّـة جمعاء ويسهرون على سيادتها ورعايتها ومصالحها المبعثرة على كفوف العفاريت الدولية.

وهم المؤتمنون على حياة شعبٍ، مصيرُهُ مهـدّد ومستقبله مبـدّد، أحواله سائبة وآماله خائبة، بـهِ تتحكّم فيالـقُ الجـنّ، وهم عنه ينشغلون بأجناس ملائكةٍ وشياطين، فيما شياطين محمد الخامس تحاصر القسطنطينية حتى الإختناق.

الحكام والسياسيون في أيّ بلدٍ، همُ النُخْبةُ التي تشكّل المثالَ الأعلى للشعب، وهم الواجهة التي بها تَكتشِفُ الأنظارُ الدوليةُ حضارةَ الأمم وثقافتها ومستواها الفكري والأدبي والأخلاقي.

الأخلاق في السياسة لا يصح أن تكون أخلاقاً مؤقَّـتة…

ولسان الأدب السياسي لا يصح أن يُلوَّث بالزنى، لأنَّ زنى اللسان من زنى الفكر وعفاف الفكر من عفافه…

ولا يصح أن يعبّر السياسي الحاكم عن الأدب الفكري بالسفاهات، بل عليه أن يقرأ على الأقل: «كتاب الأدب الكبير» أو «كتاب الأدب الصغير» لإبن المقفع، حتى لا تكون ثقافته مقتصرة على أبيات من الشعر الذليل، ملتقطةٍ من شارع المتنبي في بيروت.

إذا كانت القلَّـةُ هي التي تؤدي الى الشجار كما تقول الأمثال، فإنَّ الذين يتشاجرون يعانون تُخمـةَ الكثرة المشبوهة التي أوقعت الشعب في القلّة.

بل لعلّها العلّةُ لا القِلَّـة، علَّـةُ التوتّـر التي تنتج من إهتزاز الضمائر المثقلة بالأحمال غير الحلاَل، فتنطلق الشتائم تعبيراً لا شعورياً عن تضارب ذهني حول ما هو حلال وحرام، وفرح وألـم، وغبطة ونـدم.

إنّـه المرض النفسي الذي اكتشفه من خلال التجارب أستاذ جامعة «كيل» البريطانية ريتشارد ستيفنز Stivens فاتضح لـهُ «أنَّ الشتائم والكلمات النابية تساعد على تقليل الشعور بالألم وخفض مستويات التوتّر، ولكنَّ هذا المسكِّن يفقد تأثيره إذا أصبح الشتم عادةً متأصَّلة في سلوك الشتَّامين.

ولعلّ العلّـة الأكبر هي التي تفشَّتْ في الذين حملوا السلاح ومارسوا أعمال العنف، فهؤلاء لا يعرفون المواجهة إلاّ بالتصادم، يسالمون ولا تتخلَّى الكفوف عن السيوف حتى ولو تغلَّفت السيوف بالصدأ.

يقول ليندون جونسون: إنّ الرجال في جميع أنحاء العالم خمسة: الأول يخدم بلاده بحياته، والثاني بالعمل، والثالث بالقلم، والرابع بالمال، والخامس بالسكوت.

أنتم يا سادة: خدمتم بلادكم جداً «بالمـال»، ولم يبـقَ ما تتحلّون به إلا السكوت، تفضلوا.. إسكتوا.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى «المستقبل» يحاور باسيل «من موقع الاختلاف»