أخبار عاجلة

محرقة جمال عيتاني.. للنفايات أم لأنفاس العاصمة؟

محرقة جمال عيتاني.. للنفايات أم لأنفاس العاصمة؟
محرقة جمال عيتاني.. للنفايات أم لأنفاس العاصمة؟

كتب عماد الشدياق في المدن:

الـ22 بمجلس بلدية ، منذ عيد الفطر، تحديد موعد لجلسة يطرح رئيس المجلس جمال عيتاني على جدولها دفتر شروط محرقة بيروت المفترضة، بعد أن تعثرت ولادته أكثر من مرة بسبب ملاحظات سجلها أعضاء ومحافظ بيروت، يُفترض أن تؤخذ بالاعتبار وتُترجم تعديلات في بنود الدفتر المنتظر.

خطة جمال عيتاني
في الدقائق العشر التي استقبلنا فيها عيتاني على عجل بمبنى البلدية، حاول التسويق بقوة لفكرة المحرقة، مُؤثراً الحديث بالعموميات، معتبراً أن إدراج دفتر الشروط على جدول أعمال المجلس من صلاحياته الشخصية، وهو الذي يقرر ذلك بالوقت المناسب. يقول عيتاني أن برنامج المجلس منذ انتخابه كان جعل العاصمة نظيفة، وكان هدفه "حماية بيروت من المشاكل البيئية، تلزيم الكنس والجمع ونقل النفايات ضمن خارطة طريق متكاملة، تبدأ بتخفيف كمية النفايات، فالفرز من المصدر، ثم وضع حل للتخلص مما تبقى"، مذكّرا بأن "المناطق اللبنانية كلها رفضت أن تستقبل نفايات بيروت، وأهلها دفعوا أثمانا غالية". يضيف عيتاني أن البلدية وضعت شروطا على المقاول الذي يجمع النفايات اليوم، لنشر مستوعبات مخصصة للفرز، كما أن البلدية تتعاون مع الجامعات والمدارس لتشجيع الطلاب على الفرز، من دون أن ينسى مشروع "ورق بيروت" الخاص بجمع الأوراق من الإدارات الرسمية، وهي خطوات تصب في خانة أهداف البلدية.

عيتاني يعتبر أن "الفرز من المصدر بنسبة 90 في المئة، حسبما يقول الخبراء هو هدف مستحيل، ففي يبلغ الفرز حدود 35 في المئة بعد 25 سنة، فيما سويسرا وصلت إلى عتبة 54 في المئة بعد 35 سنة". ولهذا، يرى أن الخطوة الأولى تبدأ بتخفيف كمية النفايات، من خلال التوعية على استعمال أنواع البلاستيك القابل للتحلل Bio Degradable على سبيل المثال. ولأنه يرفض "غصب أهالي بيروت على حل محدد"، استعان باستشاري أوروبي (Ramboll). خلص الأخير إلى أن الخيار الأمثل للعاصمة هو المحرقة، أو "التفكك الحراري"، الذي يراه عيتاني "آمنا وسليماً لأن بين 60 إلى 70 في المئة من منشأة المحرقة عبارة عن فلاتر تنقي الهواء، قبل انبعاثه. ولا يؤذي أحداً"، متسلحا بقرارات الحكومة التي طلبت من البلديات أن تدير شؤونها من خلال "لامركزية ادارة النفايات". وكذلك إقرار أيضاً أن "التفكك الحراري مقبول". يقول عيتاني بثقة: "نحن نسير By The Book، ووزارة البيئة أكدت في أحد تقاريرها أنها تسعى لتخفض حجم المطامر إلى 20 في المئة (الوزير فادي جريصاتي فعل العكس مؤخراً)، وستفرض الفرز من المصدر ليصل خلال 15 سنة إلى ما نسبته 50 في المئة، على أن تحرق 30 في المئة بواسطة الاسترداد الحراري RDF، الذي اختارته بلدية بيروت، لأنه الحل الأمثل والأنظف".

متاعب مع أعضاء المجلس
يؤكد عيتاني أن الرافضين لفكرة الحرق "يطلقون الأحكام المسبقة قبل دراسة الأثر البيئي. فحينما تحدد لنا الدولة موقع المحرقة، سنجري دراسة للأثر البيئي، وإذا خلصت إلى أن الموقع غير مناسب، أو رفضت وزارة البيئة الخطة، فسأكون أول الرافضين. لكن إلى حينه، لايمكنني ترك بيروت للعابثين فيها، أولئك الذين لم يطرحوا على مدى سنتين ورقة واحدة تخبرنا عن الخطة الأمثل للبنان، الذي يحاول منذ 18 سنة إيجاد حل للنفايات ويعجز".

هذا بالنسبة إلى رئيس المجلس البلدي، أما أعضاء المجلس فلهم كلام آخر. فقد تمكنت "المدن" من التواصل مع أكثر من واحد منهم، واستمزجت آرائهم حيال خيار المحرقة، التي يبدو أنها لن تمر بسهولة، وستجلب المتاعب لعيتاني، لأن عدداً لا بأس به إلى الآن، يجاهر برفضه لها. خصوصاً إن بقيت جاحدة للشروط وللسلامة العامة. أحد الأعضاء يقول أن "عيتاني أخطأ حينما جعلها مشروعه الشخصي. فشل بخطة التوعية، بدايةً، ثم نقل الملف إلى الساحة السياسية، حين راح يحاور الأحزاب المسيحية سراً ( والقوات اللبنانية خصوصاً)، لأن مكان إنشائها يُفترض أن يكون بمنطقة مسيحية شرق بيروت (هناك خياران: الأول في ملعب النهضة على الكورنيش البحري، والثاني في كارنتينا – المدور، وهو الخيار الأرجح) فعل ذلك بغية انتزاع موافقتهما. وهذا لم يحصل حتى تاريخه".

ينتقل بعد ذلك إلى الخوض بالتفاصيل، فيتحدث عن ثمن المحرقة الذي يبلغ 350 مليون دولار، يُفترض أن تمولها المصارف، وكذلك مدة العقد التي حددت بـ25 سنة (إضافة إلى ثلاث سنوات لبناء المحرقة). كما طرح إشكالية الموافقة على دفع أتعاب المستثمر بالدولار الأميركي، إذ لا أحد يضمن أن يبقى سعر صرف الدولار نفسه طوال هذه السنوات. في الشأن التقني أيضاً، يكشف أن دفتر الشروط يجيز للشركة الفائزة بالمناقصة أن تقوم بوظيفتي فرز النفايات ثم حرقها. وهي ثغرة كبيرة بنظره، ستتسبب حتماً بهدر المال، لأن للشركة مصلحة بـ"حرق الأخضر واليابس لزيادة عدد الأطنان!". عضو ثانٍ يسجل تحفظه على المشروع، ويقول أنه سيرفضه بسبب موقعه، فيما الثالث يبدي رغبته بالرفض "بسبب كثرة الملاحظات وغياب بنود عدة".

أطنان السموم المتطايرة
بعيدا عن أجواء البلدية، تقول الأخصائية في إدارة البيئة، وعضو ائتلاف إدارة النفايات، سمر خليل، أن "حجم المحرقة، المذكور بدفتر الشروط يثير الريبة، ففي الوقت الذي تُقدر نفايات بيروت بنحو 650 طن/يومي، تبلغ طاقة المحرقة القصوى بخطوطها الثلاثة، 1500 طن/يومي، أي أكثر من الضعفين. ما يعني أن للبلدية نوايا مبيتة لزيادة حجم الحرق فيما يبدو، أكان عن طريق استقدام نفايات من خارج العاصمة، أو - بأضعف الإيمان - تفترض زيادة هذه النفايات مع الوقت بفعل النمو السكاني. وهذا بدوره يكشف أن لا خطة واضحة للتخفيف أو للفرز من المصدر كما يقال، بل العكس تماما". كما تذكر خليل أن "دفتر الشروط يلزم المستثمر الفائز بالمناقصة (وهم أربعة: Vinci وSuez الفرنسيتين،Hitashi  السويسرية، و Doosan الكورية) بالتخلص من النفايات الخطرة بواسطة الترحيل، وهذه النفايات مصدرها غالبا الرماد المتطاير وهو 2 إلى 5 في المئة من كمّ النفايات المحترقة، أي ما يعادل 12 إلى 15 طن نفايات متطايرة يومياً (ربطا بحجم نفايات العاصمة أعلاه)، فكيف وأين ستتمكن الشركة من تخزين بين 350 و450 طن من السموم شهرياً للتخلص منها؟ وبأي وسيلة وكلفة، إذا كان الطن الواحد من الرماد المتطاير الذي تنتجه محرقة نفايات مستشفى الجامعة الأميركية في بيروت، يكلفها ترحيله 6 آلاف دولار وفق الأصول، عملا بإتفاقية بازل؟". هذا من دون الحديث عن حجم فضلات القاع التي تقدّر بنحو 20 في المئة من حجم النفايات المحترقة، وتُخلط بالمكعبات الاسمنتية والاسفلت، شرط أن تكون خالية تماماً من السموم، تحسباً لاحتمال تسربها إلى المياه الجوفية".

تنويع الحلول.. والفوضى
أما مدير برنامج البيئة في جمعية Arc en ciel، ماريو غريّب، فيقول إن "مجلس الإنماء والإعمار طلب من شركة Egis الفرنسية الاطلاع على دفتر الشروط الذي وضعته البلدية، والاستشاري الأوروبي (شركة Ramboll الدانماركية)، فوجدت الشركة ثغرة رئيسية تتعلق بكيفية تصريف مخلّفات المحرقة". فبنظره، قبل التفكير بهذا الخيار "لا بد من إجراء دراسات كثيرة وموسعة حول نسبة تلوث الهواء، لمعرفة صوابية الخيار، فثمة أمور كثيرة تؤثر بهذا القرار: حجم المحرقة، طريقة تصريف مخلفاتها، ومكانها. وهذه الدراسات لم تحصل أبداً حتى تاريخه خصوصا تحديد الموقع الذي يُفترض تحديده أن يسبق دفتر الشروط نفسه. فالبلدية لم تأخذ بالاعتبار الملوثات الموجودة أصلاً في بيروت، ككثافة السيارات وحجم المولدات الكهربائية".

غريّب الذي يرفض "شيطنة خيار المحارق بالمطلق"، يؤكد أن لمعالجة النفايات طرق كثيرة تبدأ بالتخفيف، ثم الفرز من المصدر ثم معامل الفرز والتسبيغ، وصولاً إلى الحرق أو التفكك الحراري للنفايات التي لا يمكن التخلص منها، شرط أن تكون ذات قيمة حرارية (Calorific Value). ويقول في هذا الصدد أن "الجغرافيا اللبنانية لا تساعدنا. المساحات صغيرة والمطامر آيلة إلى أن تمتلىء بسرعة". ولهذا، يؤيد غريّب خيار المحارق. لكن شرط دمجها ضمن حلول متنوعة، في إطار استراتيجية متكاملة لإدارة النفايات، يكون أولها الفرز من المصدر، لأن الحل بنظره "ليس سحرياً، ولا بد من توليفة تجمع الخيارات كلها، على شكل جرعات من حلول عدة، تخفف الضغط على البيئة".

أما عن الفوضى المستشرية، فيرى غريّب أن "سببها غياب القرارات المركزية للدولة، فلا إرشادات ولا قوانين واضحة، بغياب الاستراتيجية المتكاملة التي لحظها القانون رقم 80، الخاص بإدارة النفايات الصلبة، وأعطى مهلة ستة أشهر لوضعها. لكنها لم تبصر النور حتى تاريخه، رغم انقضاء المهلة منذ نحو شهرين. وهي من مسؤولية وزارة البيئة، التي عادت إلى خيار المطامر. إذاً، كل شيء قبل إقرار هذه الاستراتيجية مجرد ترقيع. يقولون أنهم مع الفرز من المصدر وإعادة التدوير والتسبيغ، لكنهم يقولون أيضاً: إذا هناك مواد لا يمكن التخلص منها، سنلجأ إلى التفكك الحراري. وهذا خيار مفتوح أمام كل البلديات.. وكأن الإدارة والمشرّع يوعزان للبلديات (1200 بلدية) باعتماد المحارق. ما يعني حكماً إنشاء نحو 1200 محرقة بلا ضوابط أو روادع، فحتى الموازنة الأخيرة لم تلحظ أي شيىء من كل هذا".

الأحزاب والحراك المدني
يجمع الخبراء على أن رئيس البلدية جمال عيتاني، مهما حاول أن يقنع الجميع بصوابية المحرقة، وقد يفعل، إلا أنه لن يتمكن من إثبات كفاءة الأجهزة الرقابية اللبنانية، لتولي هكذا مهام متخصصة بتقنيات حديثة وخبرات، يكاد وجودها أن يكون محصوراً بالدول المتقدمة، فيذكّرون بمرافق عامة كانت أحوالها عند إنشائها ممتازة، مثل المطار والمدينة الرياضية والمستشفى الحكومي، وأمست بغياب الصيانة الدورية والرقابة والفساد مترهلة أو مهجورة.. إلا إذا كان عيتاني يريد من المستثمر أن يقوم بمهمتي التنفيذ والمراقبة، على قاعدة "فيك الخصام وأنت الخصم والحكم".

مهما غصنا في تقنيات دفتر الشروط، وهي كثيرة تكاد لا تُحصى، سنعود صاغرين إلى حيث المشكلة. إلى السياسة، وإلى الانتخابات البلدية الماضية تحديداً. حينها رُشّح ائتلاف من الأشخاص غير متجانس يتّبع جلّ أعضائه أحزاب السلطة. وهؤلاء يستحيل عليهم اليوم التصويت بخلاف توجهات هذه الأحزاب، وهنا الطامة الكبرى: فبدل إقناع عضو بلديّ بصوابية أو عدم صوابية خيار المحرقة، لا بدّ من اقناع زعيم الحزب نفسه بتخطّي مصالحه السياسية أو القفز من فوق مآربه المادية. عضو حريص في المجلس يصنّف نفسه من المستقلّين، وهم قلة بالمناسبة، يبدي خوفه من سقوط مشروع المحرقة في الشارع، ويقول أن "ذلك سيكون انتصاراً لحراك المجتمع المدني وقد يضع المجلس برمّته (خصوصاً غير الموافقين) في خانة المتواطئين على أهالي بيروت. ولهذا سنقطع هذه الطريق وسنسعى إلى إسقاط المحرقة من الداخل!".

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق مناصرو جنبلاط ينتفضون: إثبات وجود بمواجهة "حرب الإلغاء"
التالى إقفال الحدود اللبنانية أمام الشاحنات من وإلى سوريا والأردن؟



 

ميدتاون سكاي العاصمة الجديدة midtown sky new capital