مفاتيح سيدر في موازنة تائهة

مفاتيح سيدر في موازنة تائهة
مفاتيح سيدر في موازنة تائهة

كتب عصام الجردي في المدن:

هل أصبح بعد قانون موازنة 2019، جاهزاً لتلقي الدفعة الأولى من 10.8 ملايين دولار أميركي تعهدات مؤتمر سيدر؟ الإجابة السريعة، لو حصل ذلك سيكون دفعة سياسية جديدة على حساب فترات السماح الكثيرة التي حازها لبنان ممّا يسمّى الدول المانحة، ولم يفِ تعهداته في المقابل. في انتظار موازنة 2020 لكل حادث حديث وقيامة البلد بالسلامة.

شركاء في الجانب السوري
ما سمعه المواطن في جلسات مناقشة مشروع قانون الموازنة في مجلس النواب وردود الحكومة، تكفي لإدانة النظام سياسي بأكمله. وتأكيد إنه بات خارج الخدمة. وزير المال يتأبط وثيقة من الأجهزة الأمنية تفيد أن أكثر من 130 معبراً للتهريب على الحدود اللبنانية السورية. ونعلم أن إجراء واحداً على مستوى زيادة إيرادات الموازنة مستحيل في ظل تلك المعابر. تستوي في ذلك كل القرارات التي أقرت أو لم تقر لزيادة رسوم جمركية دعماً للصناعة الوطنية. وتلك التي يراد منها دعم قطاع الزراعة بقروض مدعومة وغير مدعومة. لا نبتكر إذ نقول، أن تجارة التهريب تضرب الإنتاج الوطني من صناعة وتجارة ولا مجال للمنافسة معها. الرسم الحمائي على المستوردات الشرعية يشكل هامش ربح إضافياً للمهربين. تتراجع العائدات الجمركية من جهة، وإيرادات الموازنة من ضرائب الأعمال المسجلة بالرقم التجاري.

أعرض وزير المال عن تسمية أبطال التهريب أو/ ومن يحميهم حتى كناية واستعارة. ربما كان بينهم من يناقش الموازنة ومكافحة الفساد، ويتلو مدونات السلوك الحسن! الغريب مسألتان. لا النواب طالبوا بتحديد أسماء المهربين، ولا سألوا عمّا حصل في قرارات مجلس الدفاع الأعلى لقفل المعابر. عائدات الجمارك مع الإتصالات وضريبة القيمة المضافة، المصدر الأول لإيرادات الموازنة. عمليات التهريب عنوة من وراء الحدود، تعني أن شركاء على الجانب السوري من الحدود. هناك مرافئ مفتوحة للتهريب من رجال النظام. لم نعد نطلب عن أحداث المنطقة. بتنا في حاجة إلى النأي بالشر عن أنفسنا الآتي من وراء الحدود. هذا ملف كبير جداً وخطر. البضائع التي تدخل تهريباً ليست زراعية وتقليدية. بل وصناعية وكهربائية وغذائية فتح لها مرفآ وطرطوس على مصراعيهما. الأمر معروف في الشارع السوري. وزير دفاعنا قال على التلفاز يوماً بعد كشف وزير المال عن لائحة معابر التهريب، "اللائحة موجودة لدينا".. رفعها بيده. وكأنه يردد "أعندي وقد مارست كل خفيةٍ.. يُصدق واشٍ أو يُخيب سائل" على ما قال أبو العلاء المعّري. بينما لم يجد حرجاً في عدم إبلاغ مشاهديه الأسباب التي حالت دون الشروع فوراً في تنفيذ قرار مجلس الدفاع الأعلى.

تقشف على الإيرادات
الضفة الأخرى الأشنع من التهريب هي على المنافذ الجمركية الشرعية على ما يردد نواب ومسؤولون. لكنها تستدعي مسرحية هزلية في آن. شاحنات تعبر المنافذ البرية وعلى متنها رخام وغرانيت وخلافهما. ولا تتمكن التكنولوجيا الحديثة من رصدها وتحميلهما الرسوم. إسألوا أحد نواب . وهو صناعي عريق فلديه الخبر اليقين. لا ندري ما اذا كان حاضراً في مجلس النواب حين تلا وزير المال "مانيفستو الدولة الفاشلة". لكنه آثر الصمت في أي حال. فـ"الصمت زينٌ والسكوت فضيلةٌ.. فاذا نطقتَ فلا تكن مكثارا". النائب عاشقٌ أبي العتاهية. لم يكن كذلك قبل أن يُستناب وكيلاً عن الشعب!

في مقالة سابقة تساءلنا عن الصدفة الماكرة أن نرى كل مؤسسات الرقابة التي على علاقة مباشرة بالمحاسبة، والتدقيق المالي، والتفتيش، ومجلس الخدمة المدنية وغيرها، تشكو شغوراً في الجسم الوظيفي. بينما يُحشر الزبائن في القطاع العام بالآلاف من دون توصيف وظيفي ومسح الحاجات الفعلية. "سنسيئ الظن" مرة ثانية ونسأل، هل صحيح أن الدولة عاجزة عن شراء الكاشف الإلكتروني ( سكانر ) للجمارك في منافذ العبور البرية والبحرية والجوية؟ هكذا فهمنا من جلسات مناقشة الموازنة في مجلس النواب. وكأن انضباط العمل الجمركي ومنع التهريب باتا يحتاجان إلى المِجسّ التشيلياني الدولي الأهمّ المنصوب على القطب الجنوبي! فهمنا المفهوم أيضاً. إفلاس نظام سياسي بأكمله، ليس خليقاً بالاصلاح، ولا بتوازن الموازنة ولا عاد مهتماً بقي الوطن أم ذهب إلى التهلكة.

"المجالس ليست بالأمانات"
في حزيران الماضي زار بيروت وفد "الفريق الأميركي من أجل لبنان" ( ATFL ) برئاسة رئيس الفريق إدوارد غبريال. اجتمع إلى كبار المسؤولين وخرج بانطباعات دوّنها على موقع الفريق. نقتبس منها، "من المبالغة القول إن اللبنانيين منشغلون بحالة اقتصادهم. فالفريق الذي زار لبنان، لم يجد إجماعاً داخل الحكومة على الإجراءات الصعبة اللازمة لمنع الإقتصاد اللبناني من الإنهيار". تابع، "البعض يقول إنه ينبغي منح القروض من دون قيود وإصلاحات. ويقولون نحتاج إلى وقت لإيجاد توافق، ومع وجود نافذة مدتها سنتان فقط، لا يمكن أن يحدث تغيير حقيقي في هذه الفترة القصيرة. ويجادلون بأن إنقاذ لبنان من العجز يجب أن يأتي قبل الإصلاحات"!

كشف غبريال أن "عدداً من المسؤولين الحكوميين قال إن أموال سيدر كانت تهدف في الأصل إلى مساعدة السوريين من خلال توفير وظائف البناء. منطقهم هو أن المانحين الدوليين، لن يكون لديهم خيار سوى توفير التمويل، بغض النظر عن الإصلاحات، طالما بقي حوالي مليون لاجئ".

سأل غبريال، "هل هناك أرضية في الوسط؟ هل يمكن تخصيص الزيادات في الأموال بناء على بعض مؤشرات الإصلاح التي يتم الوفاء بها خلال أطر زمنية معينة"؟ يستدرك بالقول، "ربما حان الوقت للمجتمع الدولي، وللمانحين، والولايات المتحدة وفرنسا، للتوصل إلى تفاهم واضح مع شركائهم اللبنانيين على الجوانب التفصيلية لتوقعات المانحين، وكذلك لفهم حالة للاقتصاد اللبناني الضعيفة". وينصح السفارة الأميركية في بيروت متابعة الملف مع الحكومة اللبنانية.

النازحون في سيدر
ما قاله رئيس "فريق العمل الأميركي من أجل لبنان" لا يستوقف اللبنانيين. يعرفون ساساتهم البلديين جيداً. خلا كشفه مسائل ثلاثة. الأولى أن المسؤولين الذين التقاهم اعترفوا بصعوبة الاصلاحات قبل الإنقاذ. فتساءل عمّا اذا كان ممكناً تقطير تعهدات سيدر على وقع ما يُصلح. بينما التعهدات كلٌ مترابط لقاء إصلاحات هيكلية وقطاعية باتت معروفة. أمّا الثانية، أقرّ المسؤولون بأن تعهدات سيدر جاءت على خلفية وجود النازحين السوريين في لبنان. الأمر الذي يؤكد ما كتبنا عنه كثيراً ومفاده، ارتباط كل المؤتمرات الدولية التي عُقدت من أجل لبنان بالنازحين بنداً أول. وبالتالي فعودة النازحين لم تعد خياراً لبنانياً صرفاً فحسب، بل بقرار سياسي من المانحين الأقوياء، علينا انتظاره إلى أجل مفتوح. فمن يقبل المال يقبل شروطه وإملاءاته. هذه هي القاعدة ولو تنكّر "لبنان القوي". وأمّا الثالثة، لم يقل لنا رئيس "فريق العمل من أجل لبنان" كيف سيستمر بعمله "من أجل لبنان" بعد انطباعاته التي خرج بها من بيروت و"خرق  أمانات المجالس". ربما الجواب كان بحضّه المانحين وفرنسا تحديداً على "التفاهم الواضح مع الشركاء اللبنانيين". والطلب إلى سفارة بلاده في بيروت متابعة "العمل من أجل لبنان"!

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى