وقائع جلسة "المصالحة" وما قبلها: تسوية بطعم الانتصار لجنبلاط

وقائع جلسة "المصالحة" وما قبلها: تسوية بطعم الانتصار لجنبلاط
وقائع جلسة "المصالحة" وما قبلها: تسوية بطعم الانتصار لجنبلاط

كتب منير الربيع في المدن:

أثبت أنه عصيّ على الهضم، أو القضم. حساباته في المواجهة كانت دقيقة ومدروسة بإتقان. أقدم حيثما يجب الإقدام، وأحجم عند الحاجة، لكنّه ظل على قناعة راسخة: التراجع ليس وارداً.

الآخرون ظهرت مشكلتهم في تشخيصهم المعركة التي خاضها. كانوا يعتبرون أنها معركة سياسية عادية، ويستطيعون ليّ ذراعه فيها، مستندين إلى ما لديهم من القوة والنفوذ، فيما هو اعتبرها معركة وجودية، غير قابلة للتهاون. وطوال شهر وأيام وعشر، لم يدرك خصومه معنى معركته الوجودية، وما يمكن أن تكون تداعياتها.

مصالحة ضد التعطيل
وفي الخلاصة: حقق جنبلاط ما يريده، وعاد الجميع إلى المبادرة الأولى التي طرحها رئيس مجلس النواب نبيه برّي: مصالحة، ومن ثم عقد جلسة للحكومة، وفيما بعد يسلك المسار القضائي طريقه من دون أي حسابات أو تدخلات. رفض خصوم جنبلاط الاقتراح، وأصروا على المجلس العدلي وتعطيل عمل الحكومة. وقبل أيام خرج رئيس الجمهورية معلناً أنه ليس شيخ صلح لعقد اجتماعات مصالحة، لكنه وافق على عقدها في قصر بعبدا الرئاسي، وهذا مؤشر على تراجعه، وتراجع حلفائه والمحسوبين عليه.

أثناء البحث عن تسوية، كان وليد جنبلاط يؤكد أنه يريد حلّ الأزمة، ولكن ليس على حسابه. فهو لطالما قدّم تنازلات للعهد، منذ تشكيل الحكومة، وفي حادثة الشويفات بإسقاطه الحق الشخصي فيها. لكن الطرف الآخر استمر في عناده، لم يلتزم إنهاء المشكلة. لذا لم يعد جنبلاط مستعداً لتقديم التنازلات والتضحيات.

سقوط خطة عون
في المقابل أصرّ رئيسا الجمهورية والحكومة على عقد جلسة لمجلس الوزراء. وتشير مصادر متابعة إلى حصول اتفاق بين عون والحريري، من دون مشاركة أي من الأطراف. وبعد ذلك زار الحريري بعبدا، وتحدث عن إيجابيات انطوت على عقد جلسة للحكومة، بشروط وضعها رئيس الجمهورية، ورفضها جنبلاط كلياً. ففي جلسة مجلس الوزراء كان عون سيعلن تمسكه بالمجلس العدلي وتأجيل البحث فيه، إلى جانب إصراره على وسياقاتها، ورفضه أي انتقاد لها، ليرفع الجلسة بعد مداخلته، مفوتاً الفرصة على وزراء الاشتراكي في الكلام والرد.

تهيّب الحريري
رفض جنبلاط هذا المسار، وحاول الحريري التواصل معه. لكنه لم يقدم أي تنازل، وبعث برسالته: لن أشارك في جلسة الحكومة، وقد تصل الأمور إلى حدود الإستقالة منها، ونقل المعركة إلى صعيد سياسي آخر، فتهيّب الحريري، الحريص على الحكومة واستمرار التسوية.

هذه التطورات - ثبات جنبلاط على موقفه، إضافةً إلى الإشارات الدولية، أميركية كانت وغير أميركية - دفعت القوى السياسية إلى البحث عن حلّ، في ظل تشبث جنبلاط بموقفه الذي أبلغه لمن يريد سماعه، وأغلق هاتفه وغادر إلى سهرته.

بري والأجواء الدولية
تلقف الرئيس نبيه برّي الدفة، فأجرى اتصالات بالأطراف المختلفة حول وجوب اجتراح تسوية سريعة توقف الاستنزاف وتمنع الانهيار، وخصوصاً أن الرسالة الأميركية كانت واضحة، وزامنتها أجواء أوروبية بُلِّغت للمعنيين: لا يمكن استمرار الوضع في على هذه الحال والمسار. فهو قد يؤدي إلى إجراءات عقابية متعددة تطال الدولة اللبنانية على المدى البعيد.

وفيما تعتبر مصادر متابعة أن المواقف الدولية هي التي حتّمت ضرورة اجتراح الحلّ ووقف التوتر، تؤكد مصادر أخرى أن ثبات وليد جنبلاط على موقفه، حمل الجميع على العودة إلى ما كانوا يرفضونه سابقاً، والتخلي عن التصعيد بإصرارهم على المجلس العدلي، أو على ما أسمته المصادر نفسها الإنتقام عبر المحكمة العسكرية.

سباق المبادرات
موقف جنبلاط في إصراره على الخروج من الحكومة، في حال تشبث الآخرين بعقد الجلسة الحكومية قبل إنجاز التسوية، أزعج الحريري الذي كان يريد أن تكون مبادرته هي الناجحة، وليس مبادرة برّي. لكن مبادرة الحريري لم تكن مقبولة من جنبلاط، لأنها تغلّب نظرة رئيس الجمهورية. الحريري برّر مبادرته التي تمثّل هزيمةً لجنبلاط، بالوضع المالي والخطر الداهم في البلاد، واللذين ما عادا يسمحان باستمرار التعطيل. وفي هذا الوقت وصلت إلى الحريري رسالة تذكره بما قاله لجنبلاط في اجتماعهما الأول في بيت الوسط. قال الحريري آنذاك أنه لن يتراجع، ولو استمر التعطيل شهوراً. ألم يكن الوضع المالي خطيراً آنذاكً؟ وفي ذاك الاجتماع أطلق الحريري مواقف عنيفة حيال تصرفات رئيس الجمهورية ووزير الخارجية.

تجاوز العدلي
ما أزعج جنبلاط أيضاً، أن الحريري كان قد أبرام اتفاقاً وتسوية مع رئيس الجمهورية واللواء عباس إبراهيم، من دون أي تنسيق مع الاشتراكي. وهذا ما سمح للتسوية بأن تعود أوراقها إلى يد برّي. وهكذا تمكن جنبلاط من عدم السماح لرئيس الجمهورية وحلفائه بأخذه إلى حيث يريدون. وخصوصاً أن المبادرة تقوم على إسقاط الادعاءات الشخصية في حادثة قبرشمون، كما حصل في حادثة الشويفات من قبل. وعليه سقطت مقاربات رئيس الجمهورية، المتمثلة بالمجلس العدلي. أما المحكمة العسكرية فلا تعود القضية فيها مهمة، بعد إسقاط القضية وإجراء المصالحة.

ولدى اقتناع الجميع بهذه المبادرة وإجراء المصالحة، حاول أرسلان تسجيل تعويض معنوي يسبق خطوة المصالحة، فاقترح عقد مؤتمر صحافي قبل موعدها، لكن رئيس الجمهورية رفض ذلك، مشدداً على وقف كل المؤتمرات الصحافية، والذهاب إلى عقد المصالحة. وهذا ما أبلغه عون للرئيس نبيه برّي.

مشوار عبر "البساتين"
حضر جنبلاط هادئاً على عكس ارسلان، الذي كان متوتراً بعض الشيء. وعلى هدوئه، تقصد جنبلاط اطلاق رسائل من الطريق التي سلكها. إذ تعمّد المرور في قبرشمون والبساتين متوجهاً إلى بعبدا. في بداية الجلسة، وبعد كلمة رئيس الجمهورية الذي أكد لجنبلاط أن لا أحد يستهدفه وأصر على طمأنته، وكلام الحريري الذي شدد على ضرورة الخروج من الأزمة والحرص على التوافق لأن الوضع الاقتصادي والمالي والمعيشي لا يحتمل، طالباً تجاوز الخلافات.. حاول ارسلان أن يصعد من موقفه محاولاً الاستثمار السياسي والدخول في نقاش حام. بقي جنبلاط على هدوئه ويوزع ابتساماته، بينما تولى الرئيس التصدي لارسلان وصوته المرتفع، معتبراً أن الموضوع يهدف إلى إنجاز المصالحة وليس استمرار الاشتباك، ولا داعي لرفع الصوت بحضور رئيس الجمهورية. أما جنبلاط فقد مرر مواقفه بهدوئه المعتاد، مضمناً إياها رسائله السياسية، بشكل سلسل وعلى طريقة "الذبح بالقطنة". ولاحقاً جرى التوافق على الفصل بين المسار السياسي والقضائي، وعلى أن تستتبع المصالحة بخطوات أخرى لإزالة كل الملابسات والتداعيات.

غياب باسيل
وقد كان البيان الصادر عن لقاء المصالحة في غاية الوضوح لجهة إتمام المصالحة. صحيح أنه أشار إلى أن حادثة البساتين باتت في عهدة القضاء العسكري، وفي ضوء نتائج التحقيقات يتخذ مجلس الوزراء القرار المناسب. إنما حسب المعلومات فإن هذه الصيغة جرى الاتفاق عليها بين المجتمعين لحفظ ماء وجه الجميع، ولعدم تهميش مجلس الوزراء، أو تهميش مبادرة رئيس الحكومة، التي كانت تعتبر بالأساس أن الحل يجب أن يخرج من مجلس الوزراء.

هذا ويفترض أن يعمل بري على استكمال مساعيه لعقد لقاء بين جنبلاط وحزب الله في المرحلة المقبلة، كان بارزاً عدم حضور باسيل للقاء المصالحة. وفيما اعتبر البعض أن غياب باسيل خطوة ممتازة لخصومه بعقد اللقاء من دون وجوده، وإبعاده عن المشهد. ثمة وجهة نظر أخرى لا بد من أخذها بعناية، وهي أن باسيل سيستخدم هذا الغياب مستقبلاً، بحال حصل أي تطور سلبي بالعلاقات بين تياره والاشتراكي، وعندها سيخرج ليقول إنه لم يكن شريكاً بالمصالحة، كما لم يكن شريكاً بحرب الجبل ولا مصالحة عام 2000، أو أن مصالحة معراب تمت بين جعجع وعون وهي تختلف عن اتفاق المصالحة الموقع من قبله.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق رسالة مفتوحة إلى الدولة اللبنانية عن حقوق اللاجئين
التالى كرة النار بيد الحريري: التمسك بالحكومة أم إنقاذ البلد؟



 

Charisma Ceramic