أخبار عاجلة

الإعلام الجائع يصطاد الفاخوري وضحاياه أمام المحكمة العسكرية

الإعلام الجائع يصطاد الفاخوري وضحاياه أمام المحكمة العسكرية
الإعلام الجائع يصطاد الفاخوري وضحاياه أمام المحكمة العسكرية

كتب محمد أبي سمرا في المدن:

بعدما تجاوزت بسيارتي جسر البربير في نهاية كورنيش المزرعة، متجهاً نحو أتوستراد - المتحف، وسط زحمة سير غير معتادة، لمحتُ، أول ما لمحت في حوالى الحادية عشرة من صبيحة الثلاثاء 17 أيلول الجاري، صحون البث التلفزيوني البيضاء الكبيرة اللاقطة، المنصوبة على سيارات الدفع الرباعي الضخمة المصطفّة قرب جدار سباق الخيل. وعلى الرغم من متابعتي حتى ساعة متأخرة من الليلة الفائتة ردود الفعل الإعلامية والسجالات الحامية حول قضية "العميل" عامر الفاخوري، نسيتُ أن الرجل سيمثل في هذا الوقت لاستجوابه في المحكمة العسكرية.

رجل اللافتة النحيل
عدد سيارات الصحون اللاقطة يزيد عن العشرة. وبعد هنيهات ظهرت لي الكاميرات التلفزيونية المنصوبة حاملاتها ثابتة على إسفلت الشارع قرب الرصيف. أوقفت سيارتي على بعد أمتار، وعدت مستطلعاً. الكاميرات موجهة عدساتها نحو جمع من الواقفين قرب جدار سباق الخيل، حاملين لافتات رأيت إحداها يرفعها عالياً رجل نحيل ينتعل صندلأ صيفياً، ويسير بها متمهلاً خارج دائرة الواقفين، موجهاً اللافتة الكرتونية نحو السيارات العابرة متمهلةً في الشارع، ليبصرها سائقوها وركابها: "كرامة الوطن من كرامة الأسرى". وتحت هذه العبارة عبارة كُتبت باللون الأحمر: "نقطة على السطر".
الرجل النحيل، رافع اللافتة يمشي متمهلاً صامتاً ومنفرداً، خارج جمع الواقفين على الرصيف. كأنه يريد أن يقول لركاب السيارات العابرة: انظروا، انظروا، شاهدوني، أنا هنا وحدي، أريدُ أن تروني هنا حراً طليقاً. لكنني أريدُ أن أذكّركم بأنني كنت في يوم ما في شبابي البعيد، أسيراً أو معتقلاً أو سجيناً هناك... في الخيام ربما، في أو في عتليت الإسرائيلية. وذاك الرجل الذي جُلِب اليوم إلى المحكمة العسكرية قد يكون جلادي، فلا تنسوا عذابي القديم الذي أيقظته عودته إلى قبل أيام.

الإعلام هو الحدث
عدد الكاميرات التلفزيونية 13 كاميرا. وإذا أردنا إحصاء الفريق الإعلامي الذي حضر لتغطية الوقفة الاحتجاجية الصباحية: مصورون/مصورات صحف ومحطات التلفزيونية ومواقع إلكترونية، مذيعات/مذيعون تلفزيونيون، وتقنيو بث مباشر، إضافة إلى الكتبة... لبلغ عددهم/عددهن أكثر بكثير من المحتجين الذين لا يتجاوز عددهم الثلاثين. والأرجح أن الإعلاميين هم أيضاً من المحتجين، أو يتعاطفون معهم.
فالوقفة ليست أكثر من إعلامية في أصلها وفصلها وغايتها: من وسائل التواصل الاجتماعي، إلى تلفزيون الواقع، إلى الصحافة الورقية التي تحولت إلكترونية. ألسنا نعيش اليوم في زمن الإعلام الجماهيري الذي أُوكِلت إليه صناعة الحوادت والرأي والوقائع والاحتجاجات والصور والكلمات والمشاعر والتاريخ، صناعةً آنية سريعة تسابق الزمن؟

مشنقة الإعدام
كان بين المحتجين الواقفين شاب يرتدي تي. شرت مطبوع عليها المنجل والمطرقة، ويتحلق حوله عدد من الشبان والشابات. وفي حلقة أخرى نساء أربع أو خمس مسنات مرتديات شادورات سوداء. وفي خلفية الوقفة قرب جدار سباق الخيل عدد من الرجال يشبهون رجل اللافتة النحيل، ويرفعون مثله لافتات مشابهة، لكنهم اختاروا الوقوف ثابين بلافتاتهم قرب الجدار العتيق.

مشهد الرجل النحيل، الماشي بطيئاً منفرداً شاهراً لافتته خارج دوائر المحتجين، بدا لي أقوى حضوراً وأثراً ومكوثاً في الذاكرة من تلك الدوائر والكاميرات والكوكبة الإعلامية التي صنعت الحدث، وقال لي مصور صحافي عتيق إن مشنقة عامر الفاخوري يجب أن تنصب هناك في معتقل الخيام.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى «المستقبل» يحاور باسيل «من موقع الاختلاف»