هاجس سداد الدين يتقدم سعر الصرف؟

هاجس سداد الدين يتقدم سعر الصرف؟
هاجس سداد الدين يتقدم سعر الصرف؟

كتب عصام الجردي في المدن:

هل باتت معادلة سداد الدين السيادي تتقدم تثبيت سعر صرف الليرة والاستقرار النقدي؟ يبدو الأمر كذلك وهلة أولى، لمن يقرأ التطورات الرمادية التي بدأت ملامحها في آب الماضي في سوق القَطع، وبدأت تتظهر في أيلول الجاري.

الفوضى القائمة في سوق القَطع تحتاج إلى علاج سريع قبل تحولها سوقاً سوداء تخرج عن السيطرة. وكلّما تمادت على غير هدًى، تهدّد بانتقالها إلى سوق الاستهلاك، في بلد يستورد نحو 75 في المئة من حاجاته، بفاتورة تقرب 20 مليار دولار أميركي، مع عجز شبه نظامي من نحو 16 مليارا، يزيد أو ينقص.

أين غطاء الكتلة النقدية؟
كانت التقارير الصادرة عن مصرف تشير دائماً إلى أن حجم الموجودات الإجمالية لديه تغطي نحو 73 في المئة من الكتلة النقدية بالليرة اللبنانية. أي أن مصرف لبنان قادر على استجابة الطلب على العملات الأجنبية، في حال تحولت الكتلة طلباً على العملات، للاستمرار في تثبيت سعر الصرف، تبعا للسياسة التي اتبعها مصرف لبنان منذ 1999 المدعومة حكومياً. ما الذي تغيّر بين ليلة وضحاها في سوق القّطع؟

لا يوجد لدينا قيود على تبادل العملات وتحويلها من لبنان وإليه. سوق القّطع الحرة يسعرها صانع السوق مصرف لبنان. أمر طبيعي بعد أن اكتنز الدولار الأميركي منذ تبنى سياسة تثبيت سعر الصرف قبل 20 سنة. ومعلوم أن تلك السياسة تتطلّب موفورا من العملات الأجنبية بانتظام، كان تتكفّله التدفقات النقدية الخارجية على نحو رئيسي. فتغطي العجز في الميزان التجاري وتستولد فائضاً في ميزان المدفوعات. تحول الفائض عجزاً متمادياً منذ 2011، كان الإشارة الأولى إلى أن سياسة التثبيت بما لها وعليها في نظام اقتصادي حرّ، بدأت تواجه مأزقاً لا بد من جبهه بوسائل أخرى أكثر استدامة من جهة، وأقل تعرضاً للصدمات الخارجية من جهة ثانية.

تنبّه مصرف لبنان إلى دقة الوضع في 2016. فشرع في استخدام هندسات مالية لجذب العملات الأجنبية بأسعار مرتفعة جداً. ورغم ما خلفته تلك الهندسات من خسارة في ميزانية مصرف لبنان، استمرّ المصرف بها، وعلى كتفه عجزاً مالياً نظامياً متفاقماً، يغطى بالدين العام بالليرة والعملات الأجنبية معاً. العجز يوازي أضعافاً ثلاثة المعيار الدولي إلى الناتج المحلي (3%) والدين العام يتجاوز هو الآخر المعيار الدولي (60%) بنسبة العجز نفسها، لو اعتبرنا التزامات مصرف لبنان للمصارف. وكل ذلك كان يحصل بقرار سياسي داعم مصرف لبنان. صرنا دولة في كمّاشة عجوز. خزانة وموازنة وتجارة ومدفوعات وحساباً جارياً يفوق عجزه 20 في المئة. تراجُع النمو المطّرد منذ 2011، كان ثالثة الأثافي، وقلب ظهر المُجن. أغلق الأفق في وجه تغيير المسار الاقتصادي. وعمّق الأزمة المعيشية في البلاد. وتفلتت معدلات البطالة إلى مستويات لا أحد يعلم حجمها.

الحقيقة المرّة
واجهنا الحقيقة المرّة المؤجلة التي كانت للأمس القريب مادة للاستهلاك السياسي. وقد شارك فيها للأسف خبراء وعلماء اقتصاد مفادها، أن "دين لبنان داخلي بعملته، قادرون عليه طالما طابعة العملة موجودة في مصرف لبنان". ومع أن هذا الكلام لا يستقيم في بلد لا قيود فيه على تبادل العملات وتحويلها إلى عملات أجنبية وإعادة تحويلها إلى الخارج – كما ذكرنا في مقالات سابقة – تجاهلنا أن الدين الداخلي هو من ودائع اللبنانيين في المصارف. ومن تعويضات نهاية الخدمة في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، دائن الدولة بأكثر من مليارين ونصف المليار دولار أميركي. وفي مرحلة لاحقة، بات الدين الخارجي يقترب في حجمه من الدين المحلي بالليرة اللبنانية.

الهروب من الظلّ
لم تكفِ كل تلك المؤشرات في شحذ همم الحكم والحكومات. وكنا نعتقد إننا نهرب من ظلنا حين ذهبنا نشحذ همم دول العون والمساعدات. فقط لاستدامة نموذج اقتصاد ريوع مكشوف على صدمات خارجية. قالوا لنا في مؤتمر سيدر أن أصلحوا أنفسكم أولًا، وتعالوا مستعدون لمساعدتكم بنحو 10 مليارات دولار أميركي قروضا ميسّرة طويلة الأجل، و800 مليون مساعدات وضمانات قروض. أبداً. نتلوّن، ندلّس، ونخطب في المناسبات، ونعد بالإصلاح ولا نقترب منه قيد أنملة. كل مَواطن المال الحلال من جباية الضرائب في نظام ضرائبي لا يتجاوز فيه الجهد الضريبي 16 في المئة من الناتج المحلي فقط لا غير، لا نقترب منها. حقوق الدولة وحيازاتها الأمر نفسه. حتى العائدات من الجمارك والاتصالات تتراجع. والتهريب قائم. ويلهى المسؤول بعدّ منافذه وليس بقفلها. وكأن المسألة بعدد المنافذ وليس بحجم المهرّب! أموال سيدر لن تعطي دفعاً سريعاً للنمو وتخفف من الضغط على العملات الأجنبية. ثمار المشاريع تحتاج إلى سنوات. يهلل الإعلام الآن لما يسميه "لجنة استراتيجية" لدرس دفق تعهدات سيدر. وهي لجنة متابعة من لبنان ودول المؤتمر ووكالاته موجودة نصاً في قرارات المؤتمر. وكان يجب أن تتشكل في مطلع 2019. وهي دلالة إلى أن دفق المال لن يكون سهلًا. هذه لجنة رقابة على المال بحسب كل مشروع دفعة بدفعة على وقع الإصلاحات المستعصية.

جاء تصنيف الدولة في درجة C الثلاثية، التي شملت قبل أسبوع مصرفين في رأس لائحة المصارف اللبنانية، تتجاوز ميزانتيهما المجمّعة حجم الناتج المحلي، إنذاراً للمصارف لانكشافها على مزيد من دين الدولة بصرف النظر عن الفوائد. ودائع المصارف من العملات الأجنبية تتراجع. والتزاماتها تجاه موديعها وليس تجاه الدولة. فمن أين سنحصل على ذخيرة لمصرف لبنان للدفاع عن سياسة التثبيت؟ بينما بات السؤال كيف تستعيد المصارف ديونها من الدولة وليس العكس. وكان عليها أن تتنبّه لهذا الأمر بعيداً من مغريات الفوائد والتربح فحسب.

الدولار والسيولة بالليرة لدى مصرف لبنان. لبنان لم يخلّ يوما بسداد الديون في مواعيدها. يبدو أن هذه هي الأولوية الآن، وإلاّ سقطنا بعد يوم على تخلفنا. ما يحصل من فوضى في سوق القطع، يستدعي موقفاً من مصرف لبنان والسلطة السياسية معاً. قطاعا المحروقات (شركات الاستيراد ومحطات التوزيع) والقمح (التجار والمطاحن والأفران) يستوردان بالعملات الأجنبية ومقيّدان بتسعيرة حكومية بالليرة. هذا صحيح. لكن لديهما حسابات كبيرة في المصارف بالعملات الأجنبية ويمكن استخدامها لتمويل الاستيراد. وليس شرطاً أن يشتري القطاعان العملات من السوق فقط. المرحلة دقيقة والمسؤولية مشتركة. عدم المبادرة بسرعة قد ينقل العدوى إلى القطاع الصحي والاستشفائي.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى