الانهيار آتٍ: الاقتصاد لا ينفصل عن العملة

الانهيار آتٍ: الاقتصاد لا ينفصل عن العملة
الانهيار آتٍ: الاقتصاد لا ينفصل عن العملة

كتب خضر حسان في المدن:

أسطوري هو حجم تصديق الأوهام التي يروج لها الطاقم الحاكم. فقد تماهى الطقم السياسي مع أسطورته التي ظن أن تكرار تردادها كافٍ لجعلها حقيقة. نجح هذا الفريق في تخدير جمهور عام، لكنه فقد السيطرة على تسارع الأحداث الاقتصادية المحكومة بعلم ثابت، والتي لا تكترث بالنوايا والمراد السياسي والديني. فالاقتصاد ليس طائفياً ولا يهتم بشد الحبال بين أمراء الحرب الأهلية. ولأنه كذلك، يُسجل الاقتصاد بوضوح المسار الانحداري لحاله وحال النقد اللبناني.

إصرار عجيب
تأخرت قوى السلطة أكثر من 25 عاماً لتعترف بعجز سياساتها على إدارة البلد والنهوض به، وهذا ما ورد في مقدمة مشروع موازنة العام 2020. وفي شرع السلطة، ليس هناك تحمل للمسؤوليات، فالاعتراف هو مقدمة لرمي كل ما سبق. أما الوعود بالإصلاحات، فهي بمثابة براءة ذمة تعطيها السلطة لنفسها.

لم يخرج حاكم مصرف رياض سلامة عن تلك القاعدة، فهو أحد أركان السلطة الصامتين سياسياً والصارخين مالياً. فالحاكم هو مهندس السياسات المالية التي تسير عليها الطبقة الحاكمة والتي تخدم مصالحها. فكل ما اجتهد به سلامة على مدى ربع قرن صب في خدمة مراكمة القطاع المصرفي وأركان السلطة لثروات لا تُحصى. فهو سمح للطبقة السياسية هدر مليارات الدولارت التي أخذت من المصارف على شكل ديون، استدانتها الدولة لتنفيذ مشاريع يفترض أنها تنموية. لكنها كانت على العكس تماماً. ومع ذلك، يصر سلامة على أن سياساته المالية والنقدية كانت ناجحة.

إعلان البراءة
استبق سلامة عملية تحميل المسؤوليات حيال أزمة شح الدولار التي يعاني منها السوق. فالسيولة بالعملة الأجنبية أخذت تنضب لصالح تخزينها في المصارف التجارية ومصرف لبنان. وفي خضم قرار امتصاص الدولار، تُرِك المواطنون والتجار يواجهون مصيرهم الاقتصادي والمالي لوحدهم. وقد انتهز الصرافون الفرصة لرفع سعر صرف الدولار إلى ما يقارب 1580 ليرة. فالقانون يجيز ذلك باعتبار أن الصرافين يشترون الدولار ويبيعونه كأي سلعة لا ضوابط لأسعارها في النظام الرأسمالي.

وفي رد غير مباشر على المطالبين بتدخل المصرف المركزي للحد من استغلال الصرافين للأزمة، أكد سلامة أن "لا علاقة لنا بالأوراق النقدية بل بالعمل الذي يتم في المصارف وبالتحويلات من الليرة إلى الدولار". وشدد على أن "مصرف لبنان حاضر في السوق ولا حاجة لإجراءات استثنائية".

الحاكم رفع المسؤولية عن نفسه وعن قطاعه المصرفي ككل. لكن في الواقع، التنصل من المسؤولية يعني إطلاق العنان للسوق السوداء من جهة، وإعلان العد العكسي لانهيار الكثير من المؤسسات والقطاعات الاقتصادية أمام ضغط شح الدولار، والحاجة له لإتمام عمليات البيع والشراء، خصوصاً بالنسبة للمستوردين. وعليه، فإن إعلان البراءة تؤكد أن حاكم المصرف المركزي يفصل بين الاقتصاد والنقد.

ساعة الحقيقة
يصف الخبير الاقتصادي إيلي يشوعي ما يحصل في البلاد راهناً، بأنه "ساعة الحقيقة". هي الساعة التي تكشف عقم السياسات الاقتصادية والمالية للطبقة الحاكمة، بسياسييها وحاكم مصرفها، فالحاكم "هو المسؤول عن الدولار والليرة". ويشرح يشوعي في حديث لـ"المدن"، أن حاكم مصرف لبنان "صحيح أنه ليس مسؤولاً عن الدولار الورقي لناحية طباعته، لكنه مسؤول عن توافره من خلال سياسات مصرف لبنان. والأزمة الحالية متعلقة بسياسات المصرف المركزي. فهو سمح بالدولرة منذ 25 عاماً، ومن المفترض وجود أموال نقدية بالدولار توازي قيمة الدولارات الدفترية المعبّر عنها بالحسابات الدولارية". وبرأيه، فإن سلامة "يتطلع إلى الأزمة من زاوية ضيقة جداً".

والحل الوحيد الذي قد يصلح هو "ايجاد سياسات مختلفة مبنية على الخصخصة بواسطة مستشارين متخصصين وليس الخصخصة على نموذج أهل السلطة". لكن في ضوء الواقع "لا حل لهذه الأزمة. نحن أمام انهيارين، الأول انهيار الليرة والثاني انهيار الخزينة" يقول يشوعي، داعياً السلطة وحاكم مصرف لبنان إلى "التوقف عن المكابرة. فسياسات المصارف المركزية لا تُبنى بفصل الاقتصاد عن العملة على نحو يملك عملة جيدة واقتصاداً ضعيفاً".

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى