زيارة ماكرون وأمل التغير في لبنان

زيارة ماكرون وأمل التغير في لبنان
زيارة ماكرون وأمل التغير في لبنان

كتب هادي حبلي في :

من المؤكد أن إنفجار المرفأ في هو أحد المسامير الكبيرة التي تدق في نعش المنظومة السياسية في ، ولكنه ليس المسمار الاخير.

أمس، كانت جميع الانظار متوجهة نحو زيارة الرئيس الفرنسي إمانويل ماكرون الى لبنان، وتعددت الرغبات والرؤى حول كيفية استثمار هذه الزيارة والضغط في اتجاه تغيير الطبقة السياسية الحاكمة في لبنان، سواء عبر المطالبة بعودة الانتداب الفرنسي أو ترشيد المساعدات إلى الشعب بحيث لا تتم سرقتهم من قبل الطبقة الحاكمة كما جرت العادة، بالاضافة الى التأكيد على سعي لاستثمار الفراغ السياسي في لبنان بهدف إعادة لعب دور مهم فيه تحفظ من خلاله وجودها في المنطقة. وهنا لابد من طرح سؤال "الجدوى" لهذا الدور الفرنسي المزمع أخذه في لبنان من جديد.

على صعيد ملئ الفراغ السياسي وعودة فرنسا الى المنطقة، قد يرى البعض في دخول فرنسا الى لبنان حجر عثرة أمام التوسع الروسي والتركي والايراني في المنطقة. لكن في نظرة الى واقع فرنسا اليوم والى الواقع اللبناني الداخلي تتفكك هذه الفرضية بسرعة.

في قراءة للواقع الفرنسي نرى أن فرنسا اليوم ليست فرنسا الحرب العالمية الاولى أو عصر الانتداب. لا على مستوى الحضور الدولي ولا حتى على مستوى الحضور الإقليمي لها. فهي ليست لاعبا أساسيا في أي ساحة من ساحات المنطقة اليوم، من الى وليبيا، بالاضافة الى أنها تواجه العديد من المشاكل على مستوى الاتحاد الاوروبي أولا وعلى الصعيد الفرنسي الداخلي ثانيا. ما يعني أنها أضعف من أن تواجه أي من الشاريع الثلاثة السابق ذكرها على مستوى المنطقة.

أما على صعيد الواقع اللبناني، نجد أن المشروع الايراني هوالابرز حضورا بين المشاريع الثالثة، ولا تملك فرنسا أوراق قوة يعوّل عليها لمواجهة حلفاء في لبنان. فحزب الله وشبكة المصالح التي يربط بها حلفائها به أكبر من تأتي فرنسا الضعيفة اليوم لتقوم بتفكيكها، والحديث هنا عن الغطاء الذي يؤمنه للحزب مقابل غطاء الحزب لسياسات التيار في الدولة؛ أهمها طموح في الوصول الى قصر بعبدا. بالاضافة الي ترهل الجبهة المقابلة لحزب الله المتمثلة بما كان يعرف بقوى 14 أذار، ما يصعّب علمية أي تغير سياسي في لبنان بإرادة فرنسية.

لذلك فإن أقصى ما يمكن أن تفعله فرنسا للبنان اليوم هو تنظيم مؤتمر دولي لجمع التبرعات له مع إشتراطها تنفيذ إصلاحات داخلية في النظام لاسيما تلك المتعلقة بأمور الفساد، وهو ما أعلن عنه ماكرون صراحة في مؤتمره الصحفي في قصر الصنوبر ولم يزد عن ذلك في المضمون شيئا.

بالإضافة إلى أن الحديث عن مواجهة المشروع الإيراني في لبنان اليوم لا يستطيع القيام اليوم به أحد سوى دولة بقدرات أو الصين. الاولى تقوم بذلك عبر سياسة الضغط الاقصى الذي تمارسه على والثانية ليست بوارد لعب هذا الدور بتاتا. على الاقل حاليا.

من هنا فإن الحديث عن أي أمل بإحداث خرق في المنظومة السياسية اللبنانية الحالي يجب أن يعود الى الشعب اللبناني وحده والعمل على تفكيك هذه المنظومة من الداخل بشكل أساسي ومن ثم الاستفادة من التقلبات الخارجية والاستثمار فيها قدر المستطاع.

ومن مظاهر تفكيك هذه المنظومة هو تفكيك شرعيتها؛ الشرعية السياسية والشرعية الاقتصادية. على مستوى الشرعية السياسية فإن خراطة طريق تفكيكها تبدأ بالاستمرار في التحركات ذات الطالبع الثوري في شتى المناطق اللبنانية والاستثمار في كل حدث للتأكيد على رفض الناس لهذه الطبقة برمتها والعمل على ضرب رموز هذه الطبقة وكسر قدسيتها في أذهان الناس، ثم تمتد الى تأطير هذه التحركات في جبهات وأحزاب سياسية ذات مشاريع وبرامج واضحة لتنافس الاحزاب التقليدية في تحت أي قانون انتخاب كان، وقد أثبتت أكثر من تجربة سابقة جدوى هذا المسار في التغير.

أما على مستوى تفكيك الشرعية الاقتصادية فإن الانهيار المالي والاقتصادي متكفل بهذا الامر وهو المدخل الاساسي والمرّ الذي لابد منه لإسقاط الزبائنية السياسية التي رسختها المنظومة الحاكمة منذ الطائف وحتى اليوم. وما الترابط بين زيادة نسبة البطالة في المجتمع وسقوط شرعية ومكانة الطبقة السياسية عند فئات الشعب، إلا دليلا على مدى نجاعة هذا المسار.

أما حزب الله فإن مواجته تعتمد على عاملين أسياسين، الاول تفتيت المنظومة السياسية الذي هو جزء منها ويستمد جزء من شريعته من خلالها والثاني عبر الاستثمار في العقوبات الدولية عليه وعلى إيران بهدف إضعافه أكثر فأكثر. يأتي ذلك بالتزامن مع السعي لبناء دولة مؤسسات حقيقية وقوية تملئ الفراغ الذي استثمر فيه الحزب طيلة السنوات الماضية وبنى قوته من ضعفها.

هذا المسار لابد أن يلتزم نهجا سلميا لسببين رئيسيين: الاول هو أن جزءا أساسيا من الشرعية السياسية التي إكتسبها رموز السلطة اليوم تمتد الى أيام الحرب الاهلية، وأي حرب أهلية جديدة كفيلة بأن تعيد إنتاج زعماء حرب جدد باسم الطوائف تعيد عقارب ساعة التغير ثلاثين سنة الى الوراء. والثاني هو لضمان عدم الاحتكاك المباشر مع حزب الله واللعب في ملعبه المفضل، أي الحرب.

مسار التغير في لبنان مسار معبد بالاشواك ومعقد بحجم عمق مشاكله الممتدة لعشرات السنين، المليئة بالحروب والنزاعات الطائفية والصراعات الهووية، ولا يمكن لدولة هنا أو حدث هناك أن يقوم به وحده، إنما هو مسار نضالي كتبه القدر على الشعب اللبناني وعليه أن يخوضه عاجلا غير آجلا.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى