تاريخ الاحتجاجات في لبنان: كأنه لم يهدأ يوماً

تاريخ الاحتجاجات في لبنان: كأنه لم يهدأ يوماً
تاريخ الاحتجاجات في لبنان: كأنه لم يهدأ يوماً

كتب زياد سامي عيتاني في المدن:

تاريخ حافل بالنضال الوطني والمطلبي منذ ما قبل نيل استقلاله، وكان للبنانيين محطات ووقفات نضالية، بأشكالها التعبيرية المتعددة، وبمشاركة مختلف الشرائح والمكونات المجتمعية من نخب فكرية وقوى سياسية ونقابات وحركات طلابية، تمكنت من خلالها انتزاع الكثير من المكتسبات، رغم تعرضها لشتى أنواع القمع والملاحقة والاعتقال من قبل السلطات المتعاقبة وأذرعها الأمنية، ما جعل تلك الحركات والاحتجاجات الشعبية تعمّد نضالاتها الوطنية والمطلبية بالدم، بعدما تراكمت وتفاقمت بشكل تصاعدي وواعٍ، وتتحولت إلى انتفاضات وثورات شعبية واجتماعية، مكنتها أن تكتب لنفسها صفحات مجيدة في تاريخ لبنان المعاصر.

بعد الاستقلال
فبعد المعركة الوطنية ضد المستعمر الفرنسي، ونيل لبنان الاستقلال الوطني عام 1943، تعزز النضال الإجتماعي والمعاشي أكثر فأكثر في سبيل تحقيق المطالب الإجتماعية والمعيشية وإنتزاع حقوق الطبقة العاملة. فقد شهد عام 1945 إضراباً عمالياً كبيراً، نفذه عمال معمل الأصواف الوطنية، طالبوا فيه بزيادة الأجور والحصول على التعويضات العائلية، وحق ترخيص نقابة لهم.

وحفل العام 1946 بموجه عارمة من الاضرابات العمالية والقطاعية. كان أبرزها إضراب عمال وموظفي شركة الكهرباء، وعمال وموظفي شركة الريجي (التبغ) للمطالبة بزيادة الأجور والتعويضات العائلية وحماية الحريات النقابية.

وعمدت القوى الأمنية حينذاك إلى قمع التظاهرات، وقامت بإطلاق النار على المتظاهرين، ما أدى إلى سقوط العاملة وردة بطرس، شهيدة الحركة النقابية والعمالية برصاص السلطة، إضافة إلى عدد من الجرحى. لكن ذلك لم يمنع عمال الريجي من الاستمرار في إضرابهم زهاء الشهر، إستطاعوا بعده تحقيق الكثير من مطالبهم.

هذا الاضراب الشهير دفع قطاعات عمالية جديدة إلى إعلان الإضراب للحصول على الحقوق ذاتها، ومن تلك القطاعات: عمال وموظفو شركتي الحديد والمرفأ، موظفو بنك ولبنان، وعمال وموظفو بلدية ... إلى أن أقر مجلس النواب في 23 أيلول من العام 1946 قانون العمل، الذي اعتُبر في حينه إنجازاً كبيراً ومكسباً مهماً غير مسبوق للطبقة العاملة في لبنان.

أما العام 1947 فقد شهد موجة واسعة من الإضرابات، بفعل قيام ثماني شركات أجنبية بتسريح أكثر من 635 عاملاً وعاملة.

والنضال الشعبي لم يقتصر فقط على القضايا المطلبية والمعيشية، بل شمل القضايا الوطنية والقومية، ففي 2 تموز 1948 نُفذت تظاهرة شعبية ونقابية وطلابية تضامنية مع القضية الفلسطينية، تعرض خلالها المتظاهرون لحملة اعتقالات واسعة، كما تعرضت تظاهرة أخرى في 19 تشرين الثاني في منطقة الأونيسكو لإطلاق نار من القوى الأمنية، واعتقال العديد من المتظاهرين وسجنهم لمدة ثلاثة أشهر.

الخمسينات والمعركة الشرسة 
وتزايدت الاحتجاجات الشعبية والإضرابات العمالية في مختلف القطاعات بين الأعوام 1952 و1956، حين شهدت عشرات الإضرابات في سبيل تحقيق مطالب تتعلق بالحريات النقابية وزيادة الأجور والإحتجاج على الصرف التعسفي وتخفيض ساعات العمل.

وبرز في تلك الفترة إضراب معمل "عسيلي" للنسيج (2200 عامل)، وإضراب معملي الترابة والاترنيت في شكا (1500عامل). وتمكن العمال من تحقيق عدد لا يستهان به من المطالب.

ثم تصاعدت الإضرابات العمالية، وأبرزها في شركة نفط عام 1959، احتجاجاً على سياسة الصرف الجماعي، وتخلل هذا الإضراب للمرة الأولى في تاريخ الحركة الاحتجاجية في لبنان الإضراب عن الطعام.

ستينات شهاب والضمان الاجتماعي
أما العام 1961 فقد شهد معركة شرسة، بهدف تصحيح الأجور، بعدما أقر قانون زيادة الأجور ورفض القطاع الخاص الإلتزام بمفعوله، حتى عمت الإضرابات سائر المناطق اللبنانية، للضغط على الشركات والمؤسسات الخاصة، لدفع الزيادة التي أقرت من قبل الحكومة اللبنانية، ونجح هذا الإضراب في تحقيق مطالبه وإلزام تلك المؤسسات بدفع الزيادة، ولم يحل ذلك دون قيام عدد كبير منها بتسريح فئات واسعة من موظفيها وعمالها.

وكان أهم إنجاز مطلبي تمكن العمال من إنتزاعه في العام 1963، بفضل مسيرة طويلة من النضال المضني والصراع مع الحكومات المتعاقبية زهاء 17 سنة، هو إقرار قانون الضمان الاجتماعي، الذي يعتبر من أهم مكاسب الحركات النقابية والعمالية على الإطلاق، نظراً لأهميته البالغة لجهة توفير بيئة آمنة اجتماعياً وصحياً للموظفين والعمال على حد سواء في مختلف القطاعات.

وقد تعرضت الطبقة العاملة اللبنانية وحركتها النقابية طيلة الفترة المذكورة إلى شتى أنواع التسويف والمماطلة والتآمر والضغوط، فقد كانت الحكومات تطرح المشاريع، ثم تسحبها بحجة إعادة النظر فيها، تهرباً من إقرارها، عبر التلطي وراء حجج واهية.

أمام هذه المواقف عمد الرئيس فؤاد شهاب و الحكومة إلى تحويل مشروع القانون على بصفة المعجل، واصداره بمرسوم رقم 13955 تاريخ 26 أيلول سنة 1963 ونشر في الجريدة الرسمية في ملحق العدد 78 تاريخ 30 أيلول من العام نفسه، وذلك خوفاً من تصاعد وتعاظم موجة الاحتجاجات والإضرابات التي كانت تعم البلاد.

في موازاة ذلك شهدت فترة الستينيات المزيد من نضالات عمالية ونقابية في أكثر من قطاع مثل: الطيران، المؤسسات الفندقية، كازينو لبنان وبعض القطاعات الصناعية، إضافة إلى تحركات واسعة ضد قانون الإيجارات الجائر، الذي يشكل تهديداً مباشراً للاستقرار الاجتماعي لغالبية اللبنانيين، فجرت تظاهرة حاشدة للمستأجرين والنقابات أمام البرلمان شارك فيها العديد من النواب، وممثلي الأحزاب.

وشهد العام 1965 إضراباً كبيراً لعمال شركة الريجي، الذين طالبوا بتحقيق مطالب تتعلق بزيادة الأجور وتحسين ظروف العمل. وعلى الرغم من استمرار الإضراب مدة 14 يوماً، لم توافق إدارة الشركة إلا على عدد محدود من مطالبهم.

كذلك شهد العام 1965 مجموعة من الإضرابات والاعتصامات، ومنها إضراب تجار الأقمشة والنوفوتيه في تضامناً مع الحرفيين، كذلك أضرب أصحاب الشاحنات المخصصة للنقل الخارجي، احتجاجاً على سوء معاملة السوريين لهم، كما أضرب العمال المياومون في مصلحة مياه بيروت، للمطالبة بتثبيتهم، وأيضاً نفذ سائقو النقل المشترك إضراباً للمطالبة بتحسين أوضاعهم، وكانت أيضاً وقفة احتجاجية لأطفال منطقة بسبب هدم منازل أهليهم.

وفي العام 1966، نفذ موظفو وعمال شركة الكهرباء إضراباً عن العمل بهدف زيادة الأجور وإقرار المِلاك الجديد. واستمر الإضراب 14 يوماً، حصلوا في نهايته على جزء من مطالبهم، ما دفعهم إلى إستئناف الإضراب، لكن ما لبثوا أن علقوه، بعد أن تلقوا وعداً بتنفيذ مشروع المساكن الشعبية.

وشهد العام نفسه أيضاً إضراباً في مرفأ بيروت، والفنادق الكبرى، وعمال مسلخ بيروت، وعمال التنظيفات في بلدية بيروت.

الحركة الطلابية 
في سنة 1967 وقع العدوان الاسرائيلي على ، وترك هذا العدوان تأثيره المباشر على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وعلى العمال من ذوي الدخل المحدود. وقد شهدت هذه الفترة موجة تسريحات من العمل طالت العديد من القطاعات، خصوصاً السياحية منها، وجرت العديد من الاضرابات في القطاعات الصناعية، والمصالح المستقلة، والقطاع التعليمي وغيرها.

وفي الفترة عينها بدأت الحركة الطلابية تصعيد حراكها، متجاوزة البعد المطلبي ليلامس جوهر القضايا الوطنية والقومية من جراء تأثرها الشديد بهزيمة حزيران 1967.

ففي نيسان 1968 بدأ إضراب طلاب وأساتذة الجامعة اللبنانية إستمر 50 يوماً. طالب الأساتذة خلاله بزيادة الأجر وبالتثبيت، والطلاب بحرم جامعي موحد، وزيادة المنح وإنشاء مطاعم جامعية.

لم تستجب إدارة الجامعة لأي من هذه المطالب، إلا أن الطلاب نجحوا في انتزاع الاعتراف بـ"الاتحاد الوطني لطلاب الجامعة اللبنانية"، الذي ما لبث أن عبّر تعبيراً واضحاً عن المنحى الجذري المتنامي التي تتخذه الحركة الطالبية.

في هذا الوقت أطلقت الأزمة الزراعية نضال الحركة الفلاحية، التي كان أبرزها انتفاضة فلاحي سهل التي بدأت عام 1968، على خلفية اعتماد مالكي الأراضي نمطاً شبه إقطاعي من الاستغلال لفلاحيهم، إضافة إلى هجمة المقاولين الرأسماليين على الاستثمار في أراضي السهل من أجل تمويل نمط الحياة الرفيعة الجديدة، التي باتوا يعيشونها بعدما نقلوا إقامتهم إلى المدن.

كذلك شهدت حقبة الستينات العديد من التظاهرات ذات الطابع الوطني والقومي، منها ما هو "مندد" ومنها ما هو "مؤيد"، وفقاً للظروف السياسية وتطوراتها على الصعيدين الداخلي والخارجي.

محطات كثيرة
- تظاهرة في وسط بيروت سنة 1960، رفضاً لاستقالة الرئيس فؤاد شهاب، عقب التي أجرتها حكومة الرئيس أحمد الداعوق، على أساس جعل القضاء دائرة إنتخابية.

- عمت التظاهرات في العام 1961 المناطق اللبنانية، لا سيما العاصمة بيروت في إطار أسبوع دعم نضال الشعب الجزائري في سبيل التحرر.

- إضراب مفتوح سنة 1961 لنقابة المحامين في بيروت، احتجاجاً على إنشاء كلية الحقوق في جامعة بيروت العربية.

- اضراب في كل من بلاد ودير القمر عام 1964، احتجاجاً على سقوط كل من كميل شمعون وريمون إدة في الانتخابات.

- تظاهرة طالبية عام 1964 ضد التجديد للرئيس فؤاد شهاب.

- عمت الاحتجاجات بيروت، في ضوء زيارة الرئيس التونسي بورقيبة، بعد تصريحاته عن القبول بتقسيم .

- كذلك شهد العام ١٩٦٥ موجة واسعة من التظاهرات الحاشدة، المطالبة بتدريب الفلسطينيين في لبنان.

 - وأبرز التظاهرات وأحشدها في العام 1967 كانت تلك التظاهرات التي عمت مختلف المناطق اللبنانية، رفضاً لاستقالة الرئيس جمال عبد الناصر، عقب الهزيمة، إضافة إلى تظاهرات مؤيدة للدول العربية المحاربة. كذلك تم في العام نفسه إحراق معمل الكوكا كولا، قبل تنفيذ قرار مقاطعتها.

- وفي العام 1968 نظمت تظاهرات رفضاً لزيارة الأسطول السادس لبيروت.

- وتميز العام 1969 بتظاهرات دامية في 23 نيسان، تأييداً لحرية العمل الفدائي، ما تسبب بأزمة حكومية طويلة.

وعقب هذه التطورات بدأت تتجمع وتتوحد النضالات حول برنامج مشترك، تقوده حركة نقابية موحدة، تمكنت من تكتيل شرائح واسعة من العمال وذوي الدخل المحدود في المدن وأحزمة البؤس حولها، وفي الأرياف، من خلال محاكاتها لمطالبها ومعاناتها الحياتية والمعيشية والاجتماعية وتضررها من الارتفاع التصاعدي في أكلاف المعيشة.

وكانت هذه الحركة النقابية النشطة والمتنامية تؤسس لحراك وطني ومطلبي تغييري غير مسبوق، منذ أن نال لبنان إستقلاله، في بداية السبعينات، بلغ أوجه قبل الانفجار الكبير عام 1975.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى