الرئيس إن كبا…

الرئيس إن كبا…
الرئيس إن كبا…

كتب نجم الهاشم في “نداء الوطن”:

هل كان بإمكان رئيس الجمهورية العماد أن يتلقف كرة النار بيديه ويدير عملية الخروج من الأزمة بدل أن يغرق في التمسك بموقف الرافض لإجراء الإستشارات النيابية بحثاً عن حكومة متفق عليها مسبقاً؟ هل كان بإمكانه أن يكون المنقذ بدل أن يتم تحميله مسؤولية تعقيد الأزمة بحيث يصبح التأخير في الحل عجزاً عن النهوض بمسؤولياته؟ هل كان بإمكان الرئيس أن يكون فعلاً “بي الكل” بدل أن يضع نفسه في موقع الطرف بحيث عرض نفسه وموقع الرئاسة للوهن والضعف والإتهام؟ هل الرئيس عاجز وغير قادر أم أنه لا يريد؟

عندما اندلعت الإنتفاضة الشعبية في 17 تشرين الأول غاب رئيس الجمهورية عن السمع. عندما كان في أيلول الماضي في ليلقي كلمة في الجمعية العامة للأمم المتحدة وتحدث عن عودة النازحين السوريين إلى كانت تحصل في لبنان تظاهرات محدودة مع بداية أزمة السيولة بالدولار وأزمات المحروقات والطحين والدواء والخبز. في طريق عودته بالطائرة سئل عن الموضوع فحاول أن يلقي المسؤولية على غيره، كحاكم مصرف لبنان رياض سلامة أو وزير المالية علي حسن خليل، معتبرا أنه لم يكن في لبنان ليعرف ماذا حصل. هذا الموقف كان مثار الكثير من الإنتقادات.

بعدما تحولت الإنتفاضة الشعبية إلى ثورة عامة رفضاً لضريبة الواتساب ولسياسة الحكومة في التصدي لمشكلة الموازنة والمالية العامة ولاحتمال انهيار سعر صرف الليرة اللبنانية استمر الرئيس في الغياب عن السمع. بعد أسبوع كان هناك موعد لظهوره الأول عبر إطلالة متلفزة يتوجه من خلالها إلى اللبنانيين. كان الشعب ينتظر أن تكون هذه مباشرة ولكن المفاجأة أن الإطلالة كانت مسجلة ومقطعة وممنتجة لم يقدم فيها الرئيس على أي مبادرة باستثناء ما قاله عن أنه بات من الضرورة إعادة النظر بالواقع الحكومي الحالي. كان ذلك في 25 تشرين الأول. شكل الإطلالة التي ظهر فيها الرئيس أثار الكثير من علامات الإستفهام حول قدرته الفعلية على التصدي للأزمة ليس على المستوى الشخصي فقط بل على مستوى فريق العمل في رئاسة الجمهورية.التغيير الحكومي

كان كلام الرئيس عن التغيير الحكومي مدخلاً لفتح الباب أمام محاولة إمتصاص الأزمة على قاعدة عدم استقالة الحكومة كما طالبت الثورة وبالتالي تعديل التشكيلة الحكومية الموجودة بعد استقالة وزراء القوات اللبنانية منها في 19 تشرين الأول. يقال أن الرئيس كان موافقا في البداية على إبعاد الوزير عن الحكومة وأن الرئيس كان موافقا أيضا على ذلك وأن مدير عام اللواء عباس ابراهيم كان مكلفاً الوساطة لإنجاح هذه المحاولة ولكن بطلب من الرئيس أوقفت المحاولة بعدما تم اعتبار أن التضحية بباسيل تعني التضحية بالعهد.

كانت الفرصة متاحة لكي يأخذ الرئيس المبادرة ويكون هو قائد الحل ولكنها ضاعت. في 29 تشرين الأول أعلن الرئيس سعد الحريري استقالة الحكومة فتعقدت المسألة وبات من الصعوبة بمكان حلها. فقد سقط خيار التعديل نهائيا ودخل لبنان في أزمة أكبر. ثورة في الشوارع. طرقات مقطوعة. سلطة عاجزة. حكومة مستقيلة.

انتظر اللبنانيون مرة جديدة أن تكون هناك مبادرة رئاسية جديدة. في 31 تشرين الأول موعد انقضاء ثلاثة أعوام على انتخاب العماد عون رئيسا للجمهورية أطل ليخاطب اللبنانيين. أيضا لم يقدم أي جديد. كما كانت إطلالته الأولى سبباً في إثارة الشارع كذلك كانت إطلالته الثانية.

حتى هذا التاريخ كان الوقت لا يزال متاحاً لكي يأخذ الرئيس المبادرة. ولكن كان يحصل العكس. لم يستطع الرئيس أن يخرج من أسر الإنتماء السياسي ودائرة رئيس “” جبران باسيل على رغم الإنقسام الذي حصل ضمن العائلة الضيقة وخروج صهره النائب من تكتل لبنان القوي ومجاهرته بأن الخروج من المأزق يكون من خلال تشكيل حكومة تكنوقراط وعلى رغم خروج النائب نعمت أفرام من هذا التكتل أيضا. لم يكتف الرئيس باستقبال باسيل في 18 تشرين الأول ليخرج بعدها ويدلي بحديث مباشر من قصر بعبدا عرّض من خلاله الرئيس إلى الإنتقاد المباشر بسبب إظهاره وكأنه يمشي وراءه، بل أخذ الرئيس إلى موقف أكثر إحراجاً عندما نظم تظاهرة لتياره إلى أحد شورع بعبدا ومبادرة رئيس الجمهورية إلى إلقاء كلمة في الحشد الصغير بينما كان من المفترض أن يخاطب اللبنانيين لطرح مخرج من الأزمة بدل أن يتمسك برفض إجراء استشارات نيابية لتسمية رئيس للحكومة المطلوب تشكيلها.

كان بإمكان الرئيس أن يأخذ على عاتقه تحرير نفسه والتصرف على أساس أنه الشخص المؤهل لاقتراح الحل والسير به. فبعد كل الوقت الذي مر منذ 17 تشرين الأول لم تعد المطالب الشعبية مخفية. لم يكن مقبولاً أن يظل الرئيس عند موقف دعوة المتظاهرين إلى الحوار معه. الثورة قالت كلمتها وحددت بشكل عام أن المطلوب حكومة تكنوقراط من إختصاصيين حياديين يمكنهم أن يوحوا بالثقة ويقودوا عملية الخلاص من الأزمة. ولكن ما حصل كان العكس.

الإنقلاب على الثورة

على رغم الدعوات المحلية والدولية لتشكيل مثل هذه الحكومة، وعلى رغم تداعيات الوضع الإقتصادي، ذهب الرئيس إلى الخيار الأكثر تردداً وتشدداً. بعدما تم فتح الطرقات تحولت الثورة إلى طريقة تعبير جديدة وأظهرت أنها غير قابلة للكسر أو الإلغاء أو التراجع. هذا الأمر قرأه محور الرئيس والوزير جبران باسيل و”” على أنه تراجع يمكن الإستفادة منه. ربما من هنا اعتقدوا أنه بالإمكان القيام بانقلاب على الثورة من خلال سلسلة خطوات. فقد تم الترويج لاحتمال استبعاد الرئيس سعد الحريري من دائرة المرشحين لتشكيل الحكومة لأنه لم يقبل بالشروط الموضوعة عليه وبالتالي تم طرح احتمال أن تتم تسمية شخص آخر غيره وتشكيل حكومة مواجهة. هذا الطرح استند إلى الإعتقاد أن هذا المحور يمتلك أكثرية عددية نيابية تتيح له التحكم بالتسمية وبالتأليف وبالحصول على الثقة. على رغم أن تجربة محاولة عقد جسلة نيابية يوم الثلاثاء 11 تشرين الثاني الحالي كانت فاشلة لم يتم التخلي عن هذا الخيار. في هذا الإطار وضمن هذا السياق أتت إطلالة الأمين العام لـ”حزب الله” السيد مساء يوم الإثنين التي اعتبر فيها أن حل الأزمة ينحصر بمكافحة الفساد عن طريق القضاء وحده وبالتالي لا يهم إذا تشكلت حكومة أم لا. بعد كلام نصرالله تم تحديد موعد لكلام الرئيس عون في بعبدا من خلال لقاء صحافي. ولكن مساء يوم الثلاثاء 12 تشرين الثاني الحالي كانت هذه الإطلالة سببا لتأجيج نار الثورة وعودتها إلى الشوارع وقطع الطرقات. كانت أسوا من حيث النتائج من الإطلالة الأولى. البعض يعتبر أن هذه الخطوة كانت مكملة لكلام السيد نصرالله بحيث تترافق مع تحديد موعد للإستشارات النيابية وتسمية رئيس لحكومة مواجهة. والبعض اعتبر أنه ربما كان من ضمن هذه الخطة في حال بلوغها وضع وقائده العماد جوزف عون تحت طائلة الخضوع لقرارات هذه الحكومة بالتصدي للثورة وفتح الطرقات وإخلاء الساحات على قاعدة أن هذه الحكومة التي يمكن أن تضم تكنوقراطاً وسياسيين من هذا المحور ستعمل على تنفيذ ورقة الإصلاحات الإقتصادية المطلوبة وسيكون هذا الأمر كفيلاً بالخلاص من الثورة.

رد فعل الناس بعد وقت قليل على ما قاله رئيس الجمهورية أتى معاكساً لما كان يبنى عليه. لقد وضعت هذه المقابلة الرئيس في موقف أصعب وعرضته أكثر للتهم المباشرة بعدما كان محيّداً بنسبة معينة. للمرة الأولى باتت التظاهرات والإعتصامات تقف عند مداخل مؤدية إلى القصر الجمهوري. لا يستطيع الرئيس ان يفسر للناس مثلا كيف أنه يطالب بالحوار مع ممثلين عن الثورة ويرفض فتح الطريق أمامهم وكيف أنه تفتح الطرقات أمام مؤيدي جبران باسيل إلى بعبدا وكيف أن الرئيس يخرج ليخاطبهم بينما لا يتوجه بأي كلمة لمن يفترض أن يكون ممثلاً عنهم أيضا.

ربما لم يفت الوقت بعد من أجل أن يخرج الرئيس من كبوته. لا يزال يستطيع أن يمسك بورقة الحل بالتحرر من محور باسيل وحزب الله. فهو الذي يستطيع أن يقدم الضمانات لـ”حزب الله” بأن أي حكومة جديدة تضم اختصاصيين تكنوقراطاً حياديين لن تكون حكومة ضده على قاعدة الثقة التي يمنحه إياها السيد حسن نصرالله. ولا يزال الرئيس يستطيع أن ينقذ عهده وأن يكون عراب الحل وأن يكون على قدر الطروحات التي تحملها هذه الثورة وإن ضحى بالوزير جبران باسيل على قاعدة أن عدم دخوله الحكومة لا يعني خروجه من الحياة السياسية. لا يكفي أي يستند الرئيس إلى تاريخه ويراهن على أن الناس يعرفون من هو. الحل يحتاج إلى رئيس فعلاً. إلى مبادرة شجاعة. فهل يبادر الرئيس؟

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى