سبت الغضب: تدخّلَ الجيش.. فمنع "سقوط" مجلس النواب

سبت الغضب: تدخّلَ الجيش.. فمنع "سقوط" مجلس النواب
سبت الغضب: تدخّلَ الجيش.. فمنع "سقوط" مجلس النواب

إشترك في خدمة واتساب

كتب وليد حسين في المدن:

شهد وسط مساء يوم السبت 18 كانون الثاني، أعنف المواجهات بين المتظاهرين وقوات مكافحة الشغب في "أسبوع الغضب".

ساحة حرب
استمرت الاشتباكات ساعات طويلة منذ بعد الظهر وحتى وقت متأخر من الليل، وطاولت محيط مجلس النواب وساحتي الشهداء ورياض الصلح، حيث قامت مجموعات ملثمة من القوى الأمنية بإحراق خيم الاعتصام. وقد هاجمت مجموعات من المتظاهرين جمعية المصارف وحطمت واجهاتها الزجاجية. وتمددت المواجهات وتوسعت إلى أمام بيت الكتائب في الصيفي، واستعملت فيها المفرقعات النارية والحجارة والقنابل المسيلة للدموع. وسقط عدد من الجرحى بين المتظاهرين والمراسلين الإعلاميين.


ملثمون أحرقوا خيم الاعتصام (علي لمع) 

وكان محيط ساحة النجمة قد تحول إلى ساحة حرب بين آلاف المتظاهرين الذين طوقوا من الجهات كلها في محاولة لاقتحامه وتحريره من "سلطة الحرامية" ومن شرطته التي صرخوا بوجهها "شبيحة شبيحة".

ورغم ألوف القنابل الدخانية المسيلة للدموع والقمع المفرط، شهد محيط ساحة النجمة احتجاجاً غير مسبوق، ولم يشأ ألوف المتظاهرين ترك الشوارع. فرقتهم القنابل المسيلة للدموع لكنهم ظلوا ّين، أفراداً وجماعات، على محاولة اقتحام ساحة النجمة للوصول إلى المجلس النيابي. وقد طاردت القوى الأمنية المتظاهرين الذين اختبأوا في مسجد محمد الأمين واعتدت عليهم وأوقعت جرحى بينهم، فيما أغمي على آخرين وأصيبوا بالاختناق جراء تنشق دخان قنابل الغاز. وقد استخدمت القوى الأمنية الرصاص المطاطي ضد المتظاهرين، فجرحت عدداً منهم. ولجأ عشرات الجرحى إلى بيت الكتائب المركزي في الصيفي.

وكان الناشطون والمجموعات قد دعوا إلى تنظيم مسيرات احتجاجية، انطلقت من مناطق ثلاث لتلتقي جميعها أمام جمعية المصارف في وسط بيروت. ثلاث مسيرات عبرت شوارع بيروت، مروراً بمؤسسات يعتبرها المتظاهرون أوكاراً للهدر والفساد والسرقة.

مسيرة البربير 
من محلة البربير انطلقت مسيرة مروراً بمبنى الواردات في وزارة المالية للاحتجاج على السياسات المالية، والتأكيد على عدم دفع ضرائب للدولة لا يعلم اللبنانيون كيف تصرف. وبدأ المتظاهرون يتجمعون في البربير الساعة الثانية بعد الظهر. ولعل صرخة ذاك الطفل المحمول على الأكتاف هاتفاً عبر مكبر صوت: "يا للعار ويا للعار/ حكّام بلادي تجار"، يختصر معاناة اللبنانيين مع سلطتهم وحماتها. وبات حتى الأطفال يهتفون: "حرامي حرامي/ مجلس نواب حرامي" و"شبيحة، شبيحة/ حرس المجلس شبيحة".


كل الأعمار (علي علّوش)

وقبل انطلاق المسيرة عمد متظاهرون إلى رش حائط بنك والمهجر برذاذ الدهان، فعمد أشخاص إلى افتعال مشكلة معهم، معرفين عن أنفسهم أنهم من أبناء طريق الجديدة. واعتقلت القوى الأمنية أحد المتظاهرين واقتادته إلى جهة مجهولة. وعلى ذمة المتظاهرين لم يكن مفتعلو المشكلة من أهالي المنطقة، بل عناصر مخابرات تابعين لأحد الأجهزة.

وعمد المتظاهرون إلى إقفال مفارق الطرق عند جسر البربير، مهددين بالبقاء في الشارع حتى إطلاق سراح المعتقل. وهتف المتظاهرون: "شبيحة شبيحة/ المعلومات شبيحة"، قاصدين جهاز في الذين اعتقلوا الناشط. ولم يتركوا المكان قبل تواصل لجنة المحامين معهم وطمأنتهم بإطلاق سراحه.

بعد هذه الجلبة انطلق المتظاهرون في مسيرتهم رافعين الأعلام اللبنانية ولافتات منددين فيها بالفساد وحكم المصرف: "الفاسدون لا يبنون وطناً. يسقط، يسقط حكم المصرف"، و"اذا فرضت على الإنسان ظروف غير إنسانية ولم يتمرد سيفقد إنسانيته".
كانت المسيرة حاشدة وضمت قرابة ألفي شخص. وتجمع أهالي منطقة برج أبي حيدر على الأرصفة والشرفات ملتقطين صوراً لها بين الوجوم والترحيب.

وهتف المتظاهرون ضد السلطة السياسية: "عنا طبقة حقيرة/ عم تراكم رأس المال"، و"الشعب يريد إسقاط النظام"، و"يا عسكر ع شو متّرس الحرامية بالمجلس"، و"الوطن للعمال/ تسقط سلطة رأس المال". ورش بعض المتظاهرين واجهات المصارف وآلات صرفها برذاذ البويا كاتبين: "مصرف عرص". وبدا لافتاً إدخال المصارف إلى الهتافات: "بدنا نكسر المصارف/ بدنا تفل"، على منوال: "بدنا نسقط النظام بدو يفل".

بدا الوجوم واضحاً على شبان منطقة البسطة التحتا الذين اصطفوا على الأرصفة، فيما طالت بعض الهتافات رئيس المجلس النيابي بأقذع العبارات، إسوة بمسؤولين آخرين. وراح بعض "مسائيل شبان البسطا" (في لغة المتظاهرين، أي مسؤوليهم) يصورون المتظاهرين، ربما للاقتصاص من الهتّافين، أو لرفع التقارير لمن هم أرفع شأناً ورتبةً في السلك الحركي. لكن سكان المنطقة اصطفوا على الشرفات، ورحب معظمهم بالتظاهرة، فرشوا الأرز على المتظاهرين.

مسيرة ساسين
وانطلقت مسيرة أخرى من ساحة ساسين في الأشرفية نزولاً إلى العدلية، للاعتراض على تأخر القضاء في إطلاق سراح معتقلي الأيام الفائتة، وللمطالبة باستقلالية السلطة القضائية وملاحقة ناهبي المال العام واسترداد الأموال المنهوبة. ورفعوا لافتات: "مطالبنا واضحة: حكومة اختصاصيين، مستقلين من رأسها حتى وزارئها". والتقت المسيرتان عند مبنى الواردات في وزارة المالية، وهتف المتظاهرون: "وزارة المالية/ بيت الحرامية". وهتفوا أيضاً ضد المصرف المركزي والمصارف. غنوا: "أحرق مصرف/ لو لو لو لو لو".

وانطلق متظاهرو المسيرتين لملاقاة المسيرة الثالثة الآتية من الدورة على وقع هتاف: "يا عثمان/ نحنا جينا/ جيب شبيحتك لاقينا".

مسيرة الدورة
وكانت المسيرة الثالثة قد انطلقت من الدورة، فمرت بمبنى شركة كهرباء لبنان في شارع مار مخايل للاحتجاج على ، وللإشارة إلى مكامن الهدر في هذه المؤسسة التي دفع عليها اللبنانيون أكثر من 40 مليار دولار ولم يحصلوا على الطاقة الكهربائية. فاستجرت الطاقة من البواخر وصفقاتها وسمسراتها.

التقت المسيرات الثلاثة أمام جمعية المصارف عند مفترق الجميزة. والجمعية ترعى مصالح المصارف وأصحابها، وتصدر تعاميم غير قانونية وتحجز أموال اللبنانيين وتذلهم يومياً في فروع المصارف في مناطق لبنان كافة.


من الدورة إلى وسط بيروت (عباس سلمان)

إلى مجلس النواب
انطلق متظاهرو المسيرات الثلاث إلى نقطة النهاية: شارع ويغان الذي صار محطة للتظاهرات في محاولات متتالية للوصول إلى ساحة النجمة، حيث مقرّ مجلس النواب، أو "مجلس الحرامية"، على ما هتف وردد المتظاهرون. فتلك الساحة المقفلة والمطوّبة لعناصر شرطة المجلس والنواب، يريدها المتظاهرون ساحة عامة لالتقاء اللبنانيين. ويريدون للمجلس القابع في وسطها أن يكون مستقلاً، ووليد انتخابات حرة ونزيهة تمثل اللبنانيين، وتقوم على قانون انتخابي غير طائفي يلغي الزبائنية ويسمح بنشوء معارضة ديموقراطية. مجلس تنبثق عنه سلطة تنفيذية قادرة على التعامل مع الانهيار الاقتصادي الحالي، ويعيد ثقة اللبنانيين بدولتهم، ويعيد أموالهم المنهوبة من "حراس الهيكل" والمصارف وحماتهم.

وبدا من الهتافات والغضب على وجوه الجميع، ومن إحضار كثيرين منهم كمامات مضادة للغاز المسيل للدموع، أنهم يتحسبون للاشتباك مع القوى الأمنية في محاولتهم دخول المجلس.

وكان قد سبقهم أكثر من ألفي شخص قادمين من مناطق مختلفة إلى شارع ويغان. وحصل صدام مع قوات مكافحة الشغب ووقعت إصابات عدة. وهذا لم يحمل متظاهري المسيرات الثلاث على التراجع. بل على العكس راحوا يهتفون: "دعوس يا شعبي دعوس/ ع الحكومة والمجلس".

تجمع المتظاهرون في شارع ويغان وبدأ الاشتباك، فانهالت عليهم مكافحة الشغب بالقنابل المسيلة للدموع ورش المياه، بعدما رشقهم المتظاهرون بالمفرقعات النارية.

عملياً حاصر آلاف المتظاهرين المجلس النيابي من جميع النواحي. وراحوا يرمون المفرقعات. مشهد أعاد التذكير بالواقعة التي حصلت سابقاً هناك قبل أكثر من شهر.

اللافت تفرق المتظاهرين في اتجاهات كثيرة ومواصلتهم التجمع والاعتصام والهتاف ضد القوى الأمنية. وامتلأت مواقف السيارات في وسط بيروت بالمتظاهرين. وعند مفترق الصيفي راحوا يلطمون سور الجسر الحديد محمسين المتظاهرين الذين يرمون المفرقعات ويعيدون القنابل المسيلة للدموع على القوى الأمنية. ورغم مئات القنابل التي انهالت عليهم، كان آلاف المتظاهرين مصرين على البقاء وعدم ترك الساحة التي بدت أشبه بساحة حرب. ورغم سقوط عشرات الجرحى، عمد المتظاهرون إلى الانتقال من منطقة الى أخرى هرباً من الغازات المسيلة للدموع.

وكاد المنتفضون أن ينجحوا في اقتحام ساحة النجمة وكسر الأطواق الأمنية والتغلب على قوات مكافحة الشغب.. إلا أن تدخل بفرق كبيرة، بعد اتصالات على أعلى مستوى من قبل رؤساء وزعماء سياسيين وبأمر من رئيس الجمهورية، هو الذي كبح جموع المحتجين عن الوصول إلى غايتهم.

ويمكن اعتبار أحداث السبت تتويجاً لأسبوع الغضب، وتدشيناً لمرحلة أكثر صدامية وقسوة.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى وزير داخلية لبنان: إخماد الحراك ليس هدفي