سِدرة للطب: سفينة منارتها طبابة الأطفال والنساء وبوصلتها البحث العلمي

سِدرة للطب: سفينة منارتها طبابة الأطفال والنساء وبوصلتها البحث العلمي
سِدرة للطب: سفينة منارتها طبابة الأطفال والنساء وبوصلتها البحث العلمي

عماد الشدياق في :

قبل اندلاع ثورة "17 تشرين الأول" في بأيام قليلة، كنت ألبّي مع عدد من الصحافيين العرب، دعوة من "مؤسسة " للتربية والعلوم وتنمية المجتمع، لحضور مؤتمر صحافي بمناسبة إطلاق حملة "مستقبل تبنيه إنجازات الحاضر"، الرامية الى تسليط الضوء على جهود وإنجازات واحة قطر للعلوم والتكنولوجيا، واطلاع الصديقة على البحوث والتطوير والابتكار التي أنجزته "مؤسسة قطر".

إلا أن الظروف السياسية والإقتصادية في ، لم تفتح لنا المجال للكتابة عن هذه الزيارة، ولا عن آفاق التعاون بين الدوحة وبيروت، التي تؤمنها الهيئات التابعة لـ"مؤسسة قطر". اليوم، وبعد أن شُكّلت الحكومة في بيروت وتنفس البلد الصعداء، ولو بكثيراً من الحذر، وجدتها المناسبة لإعادة التذكير بتفاصيل هذه الدعوة الكريمة.

ما إن تطأ قدماك أرض مطار الدوحة حتى تشعر بعصف التغيير والحداثة. ورشة بنيان هائلة في الدوحة كلها، استادات رياضية تتحضر لاستقبال 2022، شبكات ميترو الانفاق، الجسور والأرصفة والفنادق والاوتوسترادات. الطريق الذي تسلكه اليوم قد لا تمرّ به في الغد بسبب التحويلات التي تشي اليك عن سرعة الأعمال، خصوصا في المنطقة التعليمية التي استضافتنا لنحو أسبوع كان متخما بالزيارات والمقابلات المفعمة بالمشاهدات والصور والانبهارات.

أولى الزيارات كانت، بطبيعة الحال، الى مقر "مؤسسة قطر" الرئيسي، ذاك المبنى شبيه المكعّب المرتفع الذي يسهر على معاينة تقدّم المشاريع في المدينة التعليمية. "مؤسسة قطر" غير الربحية حملت على عاتقها منذ العام 1995 مهمة بناء اقتصاد مستدام متنوع يقوم على توفير فرص التعلّم للمواطن في القطر ومقيميها على السواء، وكذلك تبني ثقافة الابتكار وتمكين المجتمع المحلي لمستقبل قطري خصوصا وعربي وعالمي أفضل عموما. فانكبت على إطلاق قدرات الإنسان بمجالات التعليم ما قبل الجامعي ولاحقا الجامعي، وكذلك البحوث والتطوير والابتكار، وتنمية المجتمع لتحقيق التنمية المستدامة.

تنظر من أعلى مبنى المؤسسة، فيبهرك مشهد مركز "سدرة للطب"، ذاك المستشفى الخاص بالأطفال والنساء والأمومة وأمراض القلب والسكري. هو واحد من المراكز القليلة في العالم التي تتميز بترسيخ مفهوم "الطب الشخصي" الأكثر حداثة عالمياً، وهو علاج يقوم على تطوير الأدوية للمرضى الذين لا يستجيبون للأدوية التقليدية، من خلال القدرة على تشخيص المرض قبل الاصابة به وكذلك وصف الدواء خاص والمختلف بين مريض وآخر للمرض نفسه.

مبنى بشكل سفينة شراعية بثلاث صوارٍ، تجوب بحار الطبابة والبحث العلمي بحثا عن منارة الاكتشاف والرعاية المتميزة، متصدرا لائحة أفضل المراكز الطبية الأكاديمية في العالم. تضم "السفينة الشراعية" التي صممها المهندس "سيزار بيلي" مصمم تحفة أبراج بتروناس في ماليزيا، مبنى المستشفى الرئيسي، ومبنى العيادات ومبنى الخدمات المركزية، إضافة إلى الحديقة العامة والمساحات الخضراء تتربع كلها على نحو 32 هكتارا، أي ما يعادل ضعفي عدد ملاعب المونديال 2022 مجتمعة! تحرسها في الخارج "الرحلة المعجزة" للفنان الانكليزي "داميان هيرست"، وهي مجموعة من 14 تمثالا تجسد رحلة نمو الطفل في أحشاء أمه، قدمتها هيئة متاحف قطر هدية إلى "مؤسسة قطر" التي رأت بدورها أن مستشفى متخصصًا في رعاية الأطفال والنساء سيكون أفضل مكان لعرض هذه التُحف الفنية المُبهرة.

تُجسد "سدرة للطب" ثلاثة ركائز، هي: رعاية المريض والأسرة، تعليم طبي يطبق أفضل الممارسات، والاكتشافات والبحوث الطبية الحيوية والسريرية. يعمل في "سدرة للطب" ما يزيد على 4 آلاف موظف بينهم نحو 1400 ممرض و650 طبيبًا وأكثر من ألفي أخصائي مهن صحية وإداريين من نحو 95 جنسية مختلفة يتوزعون على نحو 50 عيادة و140 غرفة في العيادات، و10 غرف عمليات ضمنها غرفتين للعمليات الجراحية بالروبوتات، وهي نوعية علاجية فريدة عالمياً. يضم المستشفى 400 سرير يدخلها غرفها النور الطبيعي من إتجاهات مختلفة، إضافة إلى مركزين للتوليد والقلب، وأقسام الطوارئ للأطفال والنساء (رعاية الأم والجنين، رعاية الأمومة، طب أمراض النساء، والطب الانجابي). تتوسط المبنى الضخم ثلاث حدائق إستشفائية مغلقة أنشئت لتكون بمثابة واحة مزدهرة باعثة على الهدوء والإسترخاء بسبب مستويات الأكسجين المرتفعة، القاتلة لتوتر المرضى وأُسرهم والموظفين على السواء.

يقول مدير "سدرة للطب" البروفسور زياد حجازي (أردني) على أنغام أغاني التي تُعزف على البيانو في بهو المستشفى الداخلي، "سدرة بغالبيته مخصص للأطفال فيما جزء منه للتوليد. يضم كل التخصصات الطبية والجراحية كالقلب والتنفس والمناعة. دائرة الاطفال انا رئيسها وفيها نحو 245 متخصصا من أميركا وكندا وبريطانيا وأوروبا عموماً. فكرة السدرة قائمة على مبدأ العناية بالأسرة ككل وليس المريض فحسب. كل مريض ومعه ذويه لهم غرفهم مثل الفندق تماما، السدرة مركز تعليمي - جامعي يتبع وايل كورنيل في الدوحة، الترقية فيه والتدرج من أستاذ مساعد الى دكتور أو بورفسور تأتي ضمن بموافق من جامعة ".

يكشف حجازي أن "الطلاب يأتون من الجامعة الى المستشفى ويعاينون المرضى ويتدرجون هنا. لقد جئت الى هذا المركز عام 2014 بجهود صاحبة السمو الشيخة موزا (بنت ناصر حرم صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني)، ترأست المركز وإستقدمت الاطباء من أفضل مستشفيات العالم بواسطة الحوافز السخية، زيادة 30 الى 40% من رواتبهم في بلدانهم لتأمين أفضل االتخصصات والخبرات". حجازي الذي أخبرنا ملاطفاً أن عدداً كبيراً من الأطباء اللبنايين ضمن فريقه، كشف أن أهداف "سدرة للطب" كان "إستقدام الأطباء الماهرين متكلمي اللغة العربية لتسهيل التواصل مع المرضى وذويهم".

سألنا البروفسور حجازي عن سبب عدم إنتشار إسم المستشفى في الوطن العربي، ولماذا لا يُسوّق لها كما يجب كونها من أفضل مستشفيات الأطفال المتطورة في الشرق الأوسط، فقال حجازي إنهم يفضلون "الإبتعاد عن التسويق للمركز ويراهنون على إنتشار سمعة الصرح مع الوقت من خلال إنجازاته". "سدرة للطب" بنظر مديرها "ترفع الرأس وتجعل الانسان العربي فخورا بما لديه. هنا العائلة جزء رئيسي من العلاج وهي من المزايا القليلة في المستشفيات في العالم لأنها بحاجة الى الكثير من الامكانيات، الزيارة مسموحة للأهل في أي وقت وفي كل الأيام".

يخبرنا البروفسور أنه بصدد تأسيس مركز اضافي في سدرة لزراعة الكبد مطلع السنة المقبلة إلى جانب زراعة القلب، وذلك بالتعاون مع مستشفى كولومبيا في ، لتفعيل غرف العمليات الـ 12 ومختبرات القسطرة الثلاث بقدرتها الكاملة. أما أنواع القسطرة العلاجية فهي للاطفال، وإستثنائيا للبالغين بشرط أن يكون البالغ مصاباُ بتشوه خلقي مهما كان عمرهم. يضيف حجازي أن "العلاج في سدرة يتميّز بخصائص ذي تقنيات متطورة جدا غير موجودة في دول الشرق الأوسط، منها روبوت دافنشي، والأسرّة الذكية، ومضخات التسريب الذكية، والتصوير بالرنين المغناطيسي أثناء العمليات الجراحية، وكذلك أجهزة المسح الضوئي لراحة اليد، إضافة إلى الطباعة ثلاثية الأبعاد وتطبيقات الأجهزة المحمولة المخصص للحوامل. المميز في السدرة هو وجود مستشفى ملازم لمركز أبحاث للامراض الجينية، خصوصا لمرض السكري الذي ينتشر بالخليج العربي وخصوصا في قطر، في كل أسبوع نشخص طفلين مصابين بالسكري للأسف! تطور هذا المرض خلال السنوات الـ15 الماضية ولم نصل حتى تاريخه إلى الأسباب الفعلية خلف هذا الإنتشار الكثيف. النسبة مرتفعة جداً في الخليج أيضاً، فهي تبلغ نحو 30% من الراشدين. مؤسسة قطر تدعم هذه الأبحاث ضمن ميزانية منفصلة عن تلك الخاصة بالمستشفى".

يقول البروفسور حجازي أن الإمكانات في دولة قطر وعدد المواطنين المنخفض نسبيا سمحا بمعرفة أرقام المصابين الدقيقة بهذا الداء، لكن في الدول العربية الاخرى الأمر مختلف تماما، حيث أعداد المصابين بالمرض كبيرة ومجهولة بسبب عدم القدرة على التشخيص واجراء الفحوصات اللازمة. النسبة مرتفعة جدا بلا شك، وهناك باحثون غربيون مهتمون بمعرفة سبب ارتفاعها في المنطقة العربية عموما والخليج خصوصا".

ولدى سؤاله إن كان هناك تعاون عربي مع مستشفى السدرة، قال حجازي: "نرحب بالأطباء المحاضرين والباحثين، نوجه الدعوات للعديد من الأطباء من كل الوطن العربي ولدينا مجموعة كبيرة من العاملين منهم معنا، كل من يبحث عن التفوق في المجال البحثي والطبي مرحب به"، أضاف: "ما إن وصلت قطر قلت لابد من تأسيس مركز دولي هنا لاستقطاب المرضى، لأن مرضى الخليج كانوا يقصدون شيكاغو. الآن باتوا يأتون الى الدوحة خصوصا قبل الحصار، مرضانا اليوم أغلبهم من الكويت وخصوصا مرضى القلب. أنا اوصي اقربائي ومعارفي بسدرة كيف الغريب؟"

وعن التكاليف يقول حجازي أنها مرتفعة نسبيا وذلك بسبب القدرة الشرائية لدى المواطن القطري، "هي مشابهة لتكاليف الدول الغربية لكن تفوقها جودة وأهمية، خصوصا لناحية اختصار المسافات والاستفادة من عامل اللغة العربية والبيئة المجتمعية المحيطة. هنا المريض قد يكون بحاجة الى ساعة او ساعتين للتنقل من بلده الام الى المستشفى بالدوحة وقادر على التواصل مع الجميع باللغة والتقاليد نفسها".

أما عن المساعدات للمرضى العاجزين عن تكبد التكاليف، فلفت حجازي الى أن "سدرة تساعد بفضل سمو الشيخة موزا الكثير من الأطفال المرضى الفقراء، لكن ثمة شروط لا بد أن تتوفر بهم: أولها شرط قدرة البلد الام على توفير العلاج اللازم بعد العودة. لقد اجرينا عمليات جراحية عدة لمرضى أطفال من الصومال بمبالغ رمزية لا تتخطى عُشر الفاتورة الفعلية. المريض يتكفل بثمن تذكرة السفر، ونحن علينا دراسة الملف الطبي للطفل ووضع العائلة، وعلى اساسهما نعطي موافقتنا على منح العلاج أو إجراء العملية".

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى