سعد الحريري “الجديد”

سعد الحريري “الجديد”
سعد الحريري “الجديد”

 

 دافيد عيسى – سياسي لبناني

في كل مرة اعتقد البعض أن انكسر وضعف وخسر، أو أنه في طريقه إلى النهاية سياسياً، كان يعود أقوى وأكثر ثقة بوضعه، كما وأكثر وضوحاً ونضجاً في مواقفه وسياساته.

هذا ما حدث قبل أشهر، عندما أقدم من على خطوة الاستقالة الشهيرة والمثيرة للجدل، والتي ظن كثيرون بعدها أن الحريري، طوعاً أو قسراً، غادر رئاسة الحكومة ومن الصعب أن يعود إليها أو أن يستعيد موقعه السابق إلا بدفع الأثمان الكبيرة وتقديم التنازلات الكثيرة.

ولكنه عاد بدعم رئاسي وسياسي لقضيته، ووسط احتضان شعبي عارم وتعاطف قلَّ نظيره، وهذا ما فتح الطريق أمامه لاستعادة شعبية كان خسر جزءاً منها في السنوات الماضية بسبب ابتعاده عن الحكم، ووجوده خارج البلاد، وتعرض تياره “المستقبل” لضغوط وأوضاع صعبة، مالياً وتنظيمياً، مع نشوء مراكز قوى داخلية فيه.

وعندما حان وقت ، روّج البعض لأن الحريري ليس جاهزاً للانتخابات ويريد تأجيلها إلى ما بعد تثبيت أوضاعه وضمان فرص الفوز، وظن كثيرون أن الحريري سيخرج من هذا الامتحان خاسراً، وسيصيبه ما أصابه في الانتخابات البلدية من نكسات ومفاجآت كان أبرزها في .

ولكن المفاجأة كانت عكسية، فقد نجح سعد الحريري خلال بضعة أشهر في استعادة ما خسره في سنوات من شعبية وحضور واستقطاب في الطائفة السنية وعلى مستوى الشارع والنخبة، فصال وجال في المناطق، متجاوزاً كل الاعتبارات والمحاذير الأمنية، و”نزل” إلى الناس حتى صار على تماس معهم ومع همومهم ومشاكلهم، وأصغى إلى مطالبهم وشكواهم، ومنحهم تطميناته حتى نجح في طمأنتهم وترميم علاقة الثقة معهم وإقناعهم بأفكاره وتطلعاته المتجددة، الناتجة عن دروس المرحلة الماضية وعِبَرِها.

وفي النتيجة، خرج سعد الحريري من الانتخابات رابحاً، وأثبت أنه لا يزال الممثل الأقوى لطائفته، وقادراً على حيازة الكتلة النيابية الأكبر على الساحتين السنية والإسلامية، وخرج بأفضل نتيجة كانت ممكنة في ظل قانون نسبي خلط أوراق كل الطوائف والأحجام، وخصوصاً إذا أخذنا في الاعتبار الظروف الصعبة التي مرّ بها وزعيمه في فترة ما بين الخروج القسري من رئاسة الحكومة والبلد والعودة الطوعية إليهما.

النتيجة الأهم التي حققها سعد الحريري لم تكن حصوله على كتلة نيابية كبيرة متصدراً الطائفة السنية فحسب، بل كذلك اكتسابه الشرعية الشعبية والسياسية في شكل مباشر وبقواه الذاتية.

لقد قذف القدر بسعد الحريري إلى عالم السياسة، ثم مباشرة إلى رئاسة الحكومة والموقع الأول في تيار المستقبل، من دون أي تدرّج أو مقدمات، وكانت قوته وزعامته وشعبيته آنذاك مستمدّة من “دم” والده الرئيس الشهيد رفيق الحريري وقضية استشهاده، وعندما فاز في انتخابات العام 2009 استفاد من هذه القضية التي كانت في أوج تفاعلها، في ظل محكمة دولية باشرت عملها وتحالف 14 آذار قوي آلت إليه الأكثرية… أما في انتخابات العام 2018، فقد فاز سعد الحريري بقوته وجهده الذاتيين، ومن دون حلفاء ومال خارجي، حين لم يعد ثمة تحالف لـ14 آذار، وحين تبدلت أولوية الناس، كما كشفت الانتخابات، فلم تعد سياسية، بل اقتصادية واجتماعية وبيئية وإنمائية وخدماتية، وفي مقدمها مكافحة الفساد المستشري في الدولة.

لقد شكلت الانتخابات النيابية الأخيرة خطاً فاصلاً في حياة سعد الحريري ومسيرته السياسية، فقبلها كان لا يزال اسمه السياسي ثلاثياً، وهو “سعد رفيق الحريري”… أما بعدها فقد صار ثنائياً، أي “سعد الحريري”، ولا يعني هذا أنه تحرر من عبء قضية والده، التي نحسب أنها حية في قلبه وعقله وبيئته، وإنما يعني أنه تحرر من اتهام منافسيه أو ادعاء أصحابه أن قوته مستمدة من إرث والده وقضيته ودمه.

شهد الحريري ابتداءً من 7 أيار 2018 بداية سياسية جديدة وانطلاقة متجددة، والذين انتخبوا نواب تيار “المستقبل” ومحضوه الثقة فعلوا ذلك هذه المرة ليس فقط لـ”ابن رفيق الحريري”، وإنما لأنهم اقتنعوا بـ”سعد الحريري” وصدقه وتطلعاته والتزامه بمشروع الدولة وانسجامه مع نفسه وقناعاته وسعيه إلى التغيير والتجديد بدءًا من نفسه وبيته وتياره.

وبالفعل، لم يتأخر سعد الحريري في إظهار نواياه وتطلعه إلى التغيير والتجديد، مبادراً إلى إطلاق ورشة تنظيمية شاملة داخل تياره قائمة على المحاسبة والمساءلة بحق الذين قصّروا أو فشلوا شعبياً وانتخابياً وتحملوا مسؤولية ما ظهر من ثغرات وسوء تفاهم وتواصل بين القيادة السياسية والقاعدة الشعبية.

وكان من الطبيعي أن تتسبب هذه الحملة ” التطهيرية” بحال من البلبلة، وأن تثير تساؤلات وتبث إشاعات، لكن كل ذلك لم يمنع سعد الحريري من إكمال ما بدأه، ولم يمنع تيار “المستقبل” من تجاوز هذه “العاصفة الداخلية” بهدوء وتماسك.

وسرعان ما تلاشت الإشاعات والأقاويل، التي طاول بعضها الأمين العام لـ”تيار المستقبل” ، الذي أثبت قبل الانتخابات وخلالها وفي كل مناسبة، أنه “دينامو” التيار، و”سر خاله”، وسند سعد الحريري، حيث قام بجهد كبير في تفعيل التيار وحضوره الشعبي، وكان دائماً وفي أصعب الظروف قريباً من الناس ومتواضعاً في العلاقة معهم ومقاربة أوضاعهم ومشاكلهم…

كما طاولت شائعات أخرى مدير مكتب الرئيس سعد الحريري، نادر الحريري، وحكي الكثير عن استقالته من مسؤولياته، ليتبين لاحقاً أن لا خلفيات سياسية ولا انتخابية وراء هذه الاستقالة، ولا أبعاد ولا مداخلات إقليمية فيها، وإنما تمت لأسباب شخصية بحت تتعلق بشخص نادر الحريري وحياته، لا بعلاقته مع سعد الحريري، التي تبقى صلبة ومتينة وعائلية وموثوقة ولا يمكن أي أمر أن يفسدها، كما لا يمكن أحداً أن يدخل بين الرجلين.

سعد الحريري الذي سلك طريق التغيير والتجديد والإصلاح السياسي داخل تياره، أكد بعد الانتخابات أنه بات أكثر نضوجاً في أفكاره وسياساته، متمرساً في أدائه، بعدما “عجنته” الأيام والتجارب وألبسته ثوب الخبرة والمعرفة، والأهم الخبرة بالناس.

وبانتهاجه سياسة اعتدال وانفتاح، بات سعد الحريري ضمانة من ضمانات الوحدة الوطنية، وبالتزامه سياسة التهدئة والحوار والاستقرار غدا المساهم الأول في مسيرة بناء الدولة واستقطاب ثقة العالم بها، وفتح أبواب المساعدات للبنان عبر مؤتمرات الدعم الخارجية، وعزَّز الأمل والثقة به رغم كل يواجهه من صعوبات ومطبات، ووضع حداً لكل عمليات التشكيك وبثِّ أجواء الإحباط التي طاولت الحكومة الجديدة.

الرئيس المكلف متفائل بأن حكومة جديدة ستبصر النور قريباً، ومرتاح إلى ما لمسه من استعداد للتعاون لدى الجميع، المدركين دقة المرحلة وتحدياتها… وسيؤلف الحكومة عاجلاً أم آجلاً، بالتعاون مع رئيسي الجمهورية والمجلس النيابي، وهو التزم بالتسوية الرئاسية ولم يحد عنها، كما أعطى الأمل بوضع اقتصادي أفضل، والثقة بمستقبل واعد، وبوقف الهدر والفساد في الدولة. لقد أعطى وعداً حكومياً… وسيفي به.

إنه سعد الحريري “الجديد”، سعد الحريري الآخر، الذي بات في صلب المعادلة وحاجةً للاستقرار ولا بديل منه، أقله في هذه المرحلة الدقيقة والحساسة التي تعيشها المنطقة.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى