تجربة لبنان مع التدويل

تجربة لبنان مع التدويل
تجربة لبنان مع التدويل

كتبت د. جنى أبو صالح في :

لم يعد مقبولاً أن تشكل السيادة غطاءً للسلطات السياسية للتفلت من المحاسبة نتيجة لفسادها، وإهدارها لحقوق المواطنين، وفشلها في تحمل مسؤولية حمايتهم، وتطبيق العدالة في حق كل من يعبث بمستقبل الأوطان وارتكاب جرائم ضد الإنسانية.  

فرانسيس دينجFrancis Deng، ممثل الأمين العام  للأمم المتحدة غوفي أنان المعني بالمشردين داخلياً  في حينه، تمكن من صقل نهجٍ مفاهيمي واضح لفكرة  "السيادة باعتبارها مسؤولية". فقد شدد على أنَ السيادة تستتبع على الدول واجبات إزاء شعوبها، بالإضافة إلى بعض الإمتيازات الدولية. والدولة بوفائها بالتزاماتها الأساسية على صعيد توفير الحماية وباحترامها حقوق الإنسان الجوهرية، تتقلص لديها الى حدٍ بعيد دواعي التخوف من تدخل خارجي مرفوض.

وعند الإخفاق  لا بدَ  من  إخراج المسائل من مجالها الوطني الى المجال الدولي.

أولاً- السيادة

من المعروف أن نظرية السيادة المطلقة للدولة لم تعد تتلاءم والظروف الإجتماعية للمجتمع الدولي المعاصر. بل إنها تتعارض مع الحقيقة والواقع، فإذا اعتبرنا أن للدولة سيادة مطلقة وغير مقيدة وغير مراقبة فإنها تصطدم بسيادات الدول الأخرى المطلقة. الإطلاقية هذه لاتوجد إلا في إنعزالية الدولة المطلقة، وهذا أمر مستحيل في المجتمع الدولي. فالدول بحاجة إلى بعضها البعض.

هذه الحاجة المتبادلة كانت وراء فكرة جديدة للسيادة أطلقها Nikolaos Politis و George Sale، وهي نظرية التبعية المتبادلة بين الدول "Interdependance". فالدولة بدخولها الى المجتمع الدولي وإقامة علاقات مع أعضاء هذا المجتمع تتخلى عن سيادتها المطلقة وعندما تقيم علاقة دولية مع الدول فهي وفق ما أشار اليه Fauchille "تخضع على الدوام لأحكام القانون الدولي".

لم يعد جائزاً استخدام هذه السيادة ستاراً تُرتكب خلفه أعمال عنف جماعية بحث الشعوب بمنأى عن أي عقاب. فإذا كانت المسؤولية عن حماية السكان من الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والتطهير العرقي والجرائم المرتكبة ضد الإنسانية تقع على عاتق كل دولة على حدة، إلاَ أنَ المجتمع الدولي ممثلاً بمنظمة قد التزم باستخدام ما هو ملائم من الوسائل السلمية، وفقاً للفصلين السادس والثامن من الميثاق، للمساعدة في حماية السكان من الإبادة االجماعية وجرائم الحرب والتطهير العرقي والجرائم المرتكبة ضد الإنسانية. كما عبر المجتمع الدولي عن استعداده لاتخاذ إجراء جماعي، في الوقت المناسب وبطريقة حاسمة، عن طريق ، ووفقاً للميثاق، بما في ذلك الفصل السابع منه...

ثانياً- التدويل

يعتبر مفهوم التدويل من المصطلحات الشائعة في قاموس القانون الدولي والعلاقات الدولية العامة، غير أنَ هذا المصطلح يخفي الكثير من الإشكاليات القانونية وأهم تلك الإشكاليات هو غياب معاهدات دولية معرفة للمصطلح فتأتي ضرورة اللجوء الى آراء الفقهاء ودراسة الممارسات من قبل الدول والمنظمات الدولية للتدويل.

يُعرف الدكتور عبد السلام هماش التدويل بأنه " إخراج المسائل القانونية من مجالها الوطني ومعالجتها بالمجال الدولي، كنتيجة لعدم ملاءمة القواعد الوطنية لحل هذه المسألة وإماَا لعدم قدرة الدولة القومية على علاج هذه المسائل بمفردها".

ومن التعريفات الأخرى لمفهوم التدويل أنه مصطلح دولي يستخدم عادة من أجل الحماية الدولية متعددة الأطراف لإقليم من الأرض أو مناطق مائية أو قنوات أو مضائق وبموجب الإتفاقيات الدولية.

إنَ فكرة التدويل حديثة نسبياً ولم تظهر على مسرح السياسة الدولية إلاَ في بداية القرن التاسع عشر وبعد مؤتمر فيينا، فقد عقد مؤتمر فيينا عام 1815 من أجل إنهاء الحروب النابليونية ، ونتيجة لتصارع المصالح والرغبة في استقرار الأمن والنظام بين الدول تم إبتكار جملة من الأدوات والسياسات لإدارة تلك المصالح  وترتيب العلاقات بين الدول الأوروبية.

ومن هذه الأدوات مفهوما المناطق العازلة والأراضي المدولة. فقد أقرت الدول في مؤتمر فيينا حياد سويسرا لتفصل بين وألمانيا وإيطاليا، وتم الإتفاق بين المعسكرين الشرقي والغربي على وضع النمسا في حالة حياد دائم تأكد في مغاهدة الصلح التي أبرمت عام 1955.

مع إنشاء المنظمات الدولية تطورت فكرة التدويل، فقد جاء إنشاء المنظمات الدولية نتاجاً لتطور حاجات الدول. تلك الحاجات تفسر سبب هذا التطور الذي لحظه مفهوم التدويل، وقد حددها Gonidec  بأربع فئات من الحاجات:

  • تطور القوى المنتجة
  • الحاجة الى إحلال السلم والأمن الدولييين
  • الحاجة لإيجاد حلول مشتركة للمسائل الإجتماعية المطروحة
  • من أجل غايات سياسية للدول الأعضاء

فإنَ التطور التقني وحاجة تنظيم الإتصالات الدولية من أجل تأمين ازدهار حركة المبادلات كانت من الأسباب الأولى التي أدت الى إنشاء الإتحادات الإدارية. ونجد مع تطور العلاقات الإقتصادية الدولية وضرورة ضمان استمرار وازدهار هذه العلاقات تطوراً باتجاه إنشاء منظمات دولية تضمن إحترام معادلات مشتركة في ميادين النقد والتجارة. وهذا مايفسر إنشاء صندوق النقد الدولي والبنك الدولي للإنشاء والتعمير ومنظمة العمل الدولية...

أما حاجة تحقيق السلم والأمن الدوليين أدى إلى إنشاء منظمة الأمم المتحدة؛

كل هذا أجبر الدول على نقل الكثير من إختصاصاتها الوطنية وحتى على الأفراد في حالات معينة من القانون الداخلي الى القانون الدولي العام، وقد أدى ذلك الى ما يُسمى التدويل الوظيفي.

فإنه عندما تقوم منظمة من المنظمات المتخصصة بإصدار قرار من قراراتها الإلزامية أو الإختيارية في شأن من الشؤون التي تدخل في مجال اختصاصاتها، وتقوم الدول بعد ذلك بإصدار القوانين والقرارات الحكومية أو تعديلها لتتوافق مع تعليمات المنظمات الدولية، فإنَ ذلك يُعد تدويلاً وظيفياً. ومثال على ذلك ما يقوم به صندوق النقد الدولي والبنك الدولي بتقييد الدول ببرامج إقتصادية معينة من أجل قبول منحها قرضاً دولياً.

وتعتبر عمليات حفظ السلام نتاجاً لظاهرة التدويل، فإنَ انهيار السلطات المركزية في الدول التي حصلت على استقلالها في الخمسينات والستينات من القرن الواحد والعشرين وتفككها وما صاحب ذلك من كثرة الحروب الأهلية، دفع الأمم المتحدة لتطوير عمليات السلام التي تقوم بها ابتداء من المساعدة في الإنتخابات والإشراف عليها. ومن ثم عمليات إعادة بناء الدول المتضررة، انتهاء بإدارة ،بصورة كلية، الأراضي التي أخفقت بها السلطات المحلية ، ووضع تلك الأراضي تحت الإدارة الدولية.

فيستمد التدويل في هذه الحالة شرعيته من سلطات مجلس الأمن الدولي المبنية على الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة الخاصة بتهديد السلم والأمن الدوليين.

ثالثا- حالة

للبنان تجربة طويلة مع التدويل، وأبرز مظاهر هذا التدويل يظهر في مقدمة الدستور اللبناني حيث ينص على أنَ لبنان " عضو مؤسس وفاعل في منظمة الأمم المتحدة وملتزم مواثيقها والإعلان العالمي لحقوق الإنسان"، وتجسيد الدولة هذه المبادئ في جميع الحقول والمجالات دون إستثناء.

وتعتبر وثيقة الطائف للوفاق الوطني لعام 1989، نتاجاً لتدويل القضية اللبنانية عقب إنفجار الوضع العسكري والتقاصف المدمر بين المنطقتين الشرقية والغربية وتهجير القسم الأكبر من سكان العاصمة في مسلسل استمرار الحرب الأهلية منذ العام 1975.

فإنَ وثيقة الطائف اعتبرت حصيلة جهود عربية مكثفة ودعم دولي شبه مطلق لمسيرة المصالحة اللبنانية وبسط سيادة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها.

كما أن وجود قوات الطوارئ الدولية في الجنوب اللبناني، يعتبر من الصور الواضحة للتدويل، فقد تم إنشاء تلك القوة الدولية بطلب من الحكومة اللبنانية على أثر قيام بتنفيذ عملية الليطاني في العام 1978، فأصدر مجلس الأمن القرار 425 في آذار 1978، دعا فيه إسرائيل الى التوقف الفوري للعمليات العسكرية وسحب قواتها من الأراضي اللبنانية كافة، وإنشاء قوة دولية مؤقتة للتأكد من إنسحاب القوات الإسرائيلية وإعادة السلم والأمن الدوليين الى سابق عهدهما، إضافة الى مساعدة حكومة لبنان في توفير عودة سلطاتها الفعالة في المنطقة.

عاودت الحكومة اللبنانية في العام 2006 تزامناً مع إنسحاب الإسرائيلي خلف الخط الأزرق، طلب مساعدة قوات إضافية من قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان، لتيسير دخول القوات المسلحة اللبنانية الى المنطقة ولإعادة تأكيد اعتزامها تعزيز القوات المسلحة اللبنانية بما تحتاج اليه من عتاد لتمكينها من أداء واجباتها.

فصدر قرار مجلس الأمن 1701 الذي أذن لقوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان باتخاذ جميع مايلزم من إجراءات في مناطق نشر قواتها وحسب ماتراه في حدود قدراتها لكي لا تستخدم منطقة عملياتها للقيام بأنشطة معادية من أي نوع، ولمقاومة محاولات منعها بالقوة من القيام بواجباتها بموجب الولاية الممنوحة لها من مجلس الأمن.

وتجدر الإشارة اللى أنَ القرار 1701 قد دعا الى التنفيذ الكامل لأحكام  القرار 1959 (2004) وضرورة حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية فقط.

في العام 2020، تم التجديد لقوات اليونيفل لسنة إضافية واحدة حيث أكد رئيس الجمهورية ، تمسك لبنان بالقوات الدولية العاملة في جنوب لبنان وبالدور الإيجابي الذي تلعبه. كما أكد رئيس مجلس الوزراء حسان دياب أن " الإستقرار في جنوب لبنان ثابت بقرار لبناني مفاده الإحتكام الى الشرعية الدولية في فرض هيبتها ومنع العدوان على السيادة اللبنانية، وأنَ لبنان يتطلع الى تأكيد التزام الأمم المتحدة ومجلس الأمن حفظ االإستقرار على حدود جنوب لبنان، وفرض تطبيق القرار 1701 على ".

وبذلك يصبح  واضحاً أنَ السلطة السياسية في لبنان تتعامل بازدواجية مع مفهوم التدويل باعتباره حيناً انه يمثل الشرعية الدولية وحيناً آخر أنه تعدٍ على السيادة الوطنية. حتى أنَ تلك الإزدواجية تتجلى بوضوح في انتقاء ما يحلو لها في تطبيق احكام القرارات الدولية، فتطالب بفرض تطبيق أحكام القرار 1701 على اسرائيل ، إلا أنها لاتعترف بضرورة تطبيق احكام القرار المتعلق بالدولة اللبنانية، وهذا يبرز بوضوح إنعدام مبدأ حسن النية لدى الدولة اللبنانية في تعاملها مع الشرعية الدولية المتمثلة بمنظمة الأمم المتحدة.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى