إيران أمَّنت جسر إمدادِها لـ”الحزب”

إيران أمَّنت جسر إمدادِها لـ”الحزب”
إيران أمَّنت جسر إمدادِها لـ”الحزب”

كتب طوني عيسى في “الجمهورية”:

كما كان متوقعاً، فعَلَها الإسرائيليون، وسدَّدوا الضربة سريعاً إلى « النووية». لكن ما لم يكن متوقعاً هو أن يستهدفوا المنشآت النووية ذاتها في العمق الإيراني. فمعظم الخبراء تحدثوا عن معوقات تقنية تَمنع من تنفيذ ضربات جوّية ضد هذه المنشآت، وتوقّعوا الاستعاضة عنها بضرباتٍ «أقل طموحاً» لحلفاء إيران في وسوريا.

إذاً، حَسم الإسرائيليون خيارهم، وقرّروا رفع مستوى المواجهة. وانتقلوا من درجة الاعتراض على «ليونة» الرئيس جو بايدن إلى العمل الميداني لإفشال عودة واشنطن إلى اتفاق فيينا. ولذلك، رتّبوا عملية نطنز في لحظة وصول وزير الدفاع الأميركي لويد أوستن إلى إسرائيل.

لطالما راهن بنيامين على خطوات أقوى ضد النووي الإيراني يتخذها «رفيقه» الأميركي دونالد . ففي هذه المعركة، لا تحتاج إسرائيل إلى تغطية واشنطن السياسية فحسب، بل أيضاً إلى تغطيتها العسكرية. لكنّ الوقت كان داهِماً، وغادر ترامب تاركاً لنتنياهو أن يخوض المواجهة منفرداً.

في نظر الإسرائيليين، إنّ تَحوُّل إيران قوة نووية هو مسألة حياة أو موت لهم. ولذلك، عمل نتنياهو دائماً على توريط في المعركة. وعلى مدى العامين الأخيرين، توالت الضربات الأميركية والإسرائيلية لأهدافٍ في قلب إيران، ومنها اغتيال قائد «فيلق » في الحرس الثوري اللواء قاسم سليماني.

عاش الإسرائيليون كابوس النووي، لأن التقارير الواردة من كانت توحي بأن قنبلتها النووية باتت قريبة. ولذلك، بادر نتنياهو إلى تنفيذ ضربات في العمود الفقري للمشروع الإيراني، بدأت في تشرين الثاني الفائت باغتيال كبير أدمغته، محسن فخري زاده.

الإيرانيون أعلنوا بعد الاغتيال أنهم سيردّون «في الزمان والمكان المناسبين». وهم قالوها اليوم أيضاً. ولا يمكن الاستهانة بتصميمهم على الردّ. ولكنهم، بالتأكيد، سيتجنَّبون الانجرار إلى الردّ في توقيتٍ أرادته إسرائيل.

معركة إيران رباعية الأبعاد: النووي، الصواريخ البالستية، الحصار الاقتصادي والمالي، والتمدُّد في دول «الهلال الشيعي». والمواجهات التي تخوضها على هذه الجبهات الأربع تتكامل. وعلى رغم الضربة الإسرائيلية لمفاعل نطنز، يسجّل المراقبون لإيران أنها تقدمت نقاطاً على خصومها، في الملف النووي كما في الملفات الأخرى.

فعلاقات إيران التسلُّحية تزداد قوة. واقتصادياً، هي باتت أقدر على الصمود في وجه الحصار، خصوصاً بعد اتفاقها الاستراتيجي مع الصين. وأما تمدُّد نفوذها غرباً عبر مروراً بسوريا وحتى لبنان، فالمعلومات المتداولة تؤكد أنه يتنامى على رغم الضغوط الأميركية والضربات الإسرائيلية.

في النقطة الأخيرة، سيكون التحدّي الأكبر أمام إيران هو خريطة النفوذ التي ستُرسَم في . فالروس يتولّون إدارة اللعبة هناك، بموافقة دولية وإقليمية شاملة، شرط الاضطلاع بدور متوازن ويراعي أيضاً مصالح واشنطن وشروط إسرائيل.

لذلك، يتفرَّج الروس على الغارات الإسرائيلية المنتظمة على المواقع والأهداف النابعة لإيران و»» وسائر المجموعات الحليفة في العمق السوري. وعندما طلبت إسرائيل إبعاد هذه المجموعات عن الحدود الجنوبية نحو 40 كيلومتراً، تولّت موسكو تنفيذ الشرط.

لكن اللافت هو أنّ الضربات الإسرائيلية استهدفت «حزب الله» في سوريا لا في لبنان، على رغم كل الضجيج الإسرائيلي حول مخازن الصواريخ ومصانع الرؤوس الدقيقة والأنفاق الحدودية، وهذا يعني أن لا غطاء دولياً لإسرائيل في استهداف لبنان، وأن الولايات المتحدة وحلفاءها الغربيين وروسيا يأخذون على عاتقهم ضمان التزام «الحزب» القرار 1701 وتجنُّب قيامه بعمليات ضد إسرائيل. وهذا التفاهم الضمني يتم التزامه بنجاح منذ العام 2006.

ولكن، في الأيام الأخيرة، بدأت تظهر ملامح تغيير في قواعد الاشتباك في سوريا ولبنان، من خلال الآتي:

1 – كلامٌ إسرائيلي على حَراكٍ عسكري لمجموعات «حزب الله» في جنوب سوريا، ضمن المنطقة التي اتفق الإيرانيون مع الروس على إخلائها.

2 – مخاوف إسرائيلية من سيطرة إيران وحلفائها على منطقة شمال شرق سوريا، إذا قرّرت إدارة بايدن الانسحاب منها.

3 – إستمرار «الحزب» في إمرار إمداداته عبر الحدود اللبنانية – السورية، على رغم الرقابة وأجهزة الرصد الأميركية والبريطانية هناك.

هذه المناخات توحي، على الأقل، أن إيران في صدد توسيع هامش حركتها، وأنها وضعت الإسرائيليين أمام تحدٍّ صعب في لحظة حسّاسة. وفيما المراوحة مستمرَّة في سوريا، يبدو متاحاً للإيرانيين تأمين جسر إمداداتهم إلى لبنان، حيث يسيطرون على غالبية القرار.

وقد تستهدف إسرائيل جزءاً من الإمدادات المعدَّة للإدخال إلى لبنان، لكن منعها بالكامل يصبح مسألة أصعب، يوماً بعد يوم، مع تراجع الضغط على إيران.

فماذا ستفعل إسرائيل، إذا قرَّرت إدارة بايدن المضي في مسار العودة إلى الاتفاق النووي والتعاطي بمرونة مع طهران؟

ستكون المواجهة صعبة بين إسرائيل والولايات المتحدة. وسيكون الإسرائيليون مضطرين إلى خلق أمرٍ واقع وفرضه على الجميع. وسيجدون أنفسهم أمام المواجهة الحتمية مع إيران، في النووي وسائر الملفات، ومنها النفوذ في لبنان وسوريا وشاطئ المتوسط و«حرب السفن» التي شهدت آخر فصولها في البحر الأحمر.

في هذا المشهد، هل هناك مكان لـ«سيناريو رعب» نووي؟

يجدر التذكُّر أن إسرائيل تواجه صعوبة لوجستية في توجيه ضربات جوية للمنشآت النووية الإيرانية، لكنها أظهرت قدرة على استخدام الأسلوب الاستخباري في نطنز. وإذا تمادت إسرائيل في هجماتها على المنشآت النووية، فإنها ربما تتسبَّب بكوارث أمنية وإنسانية، في مناطق سكنية يقطنها الملايين. وفي المقابل، وافتراضياً، يمكن لإيران أن «تَرْجُم» إسرائيل بآلاف الصواريخ من قواعد حلفائها في لبنان وسوريا.

لكن أحداً لم يجرؤ حتى الآن على استخدام «سيناريو الرعب» النووي ضد الآخر. ويخشى البعض أن يهرب الطرفان من رعبهما النووي ويعمدا إلى تنفيسه في أماكن أخرى، وخصوصا في ساحة النزاع المفتوحة بينهما، لبنان وسوريا. هُنا، لا أحد سيقيم حساباً للخسائر… مهما كانت مرعبة.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى