مَن يجب أن ينتخب اللبنانيّون؟

مَن يجب أن ينتخب اللبنانيّون؟
مَن يجب أن ينتخب اللبنانيّون؟

كتب د. ميشال الشماعي في “نداء الوطن”:

عيّن في الحكومة السابقة تاريخ الانتخابات النيابيّة المقبلة الأحد في الثامن من أيّار في العام 2022، وسرعان ما بدأت تتمظهر المنصّات الانتخابيّة، وطفت إلى الوجه أسماء بعض المرشّحين المفترَضين. وممّا لا شكّ فيه، أنّ الكلّ بات مقتنعاً بأنّ الانتخابات هي المدخل إلى التغيير. حتّى السلطة القائمة بحدّ ذاتها اليوم باتت هي الأخرى مقتنعة أنّ الانتخابات هي الوسيلة الوحيدة لتثبّت نفسها في الحكم، ولتبرهن للمجتمع الدّولي أنّها هي المرجع الدّستوري الوحيد الذي يجب التعامل معه في الدّولة اللبنانيّة. ومَن يعارض هذه السلطة يبنِ مستقبله الانتخابي على معارضتها. فهل يكفي أن يعلن معارضته للسلطة القائمة؟ أم يجب أن يحمل مشروعاً سياسيّاً؟

تظنّ بعض القوى الانتخابيّة التي نبتت على أطراف الأحزاب السياسيّة كالفطريات على جذوع الأشجار بأنّ الهمّين الإجتماعي والاقتصادي سيكونان مفتاحاً لدخولها جنّة الحكم. وبدأت الضخّ الإعلامي لتسويق نفسها بأنّها قادرة على النهوض إجتماعيّاً واقتصاديّاً بالشعب اللبناني كلّه. لكنّ هذا الهمّ كلّه هو نتيجة وليس سبباً، نتيجة لوضع سياسيّ فرضته هذه المنظومة الحاكمة. وما لم يُعَالَج السياسي عبثاً يبني الإقتصاديّون والاجتماعيّون وجمعيّاتهم.

وهذا لا يعني بالطّبع أنّ الهمّ الاقتصادي يجب ألا يكون من صلب أولويّات أيّ مواطن أو أيّ مرشّحٍ مُفتَرَض. لكن لا يعالج مرض كالسرطان بحبّة أسبرين. لذلك، على أيّ مرشّح انتخابي ألا يستغلّ وجع الناس الاجتماعي والاقتصادي لينطلِق بشفافيّة في عمله السياسي؛ ماذا وإلا عندها لا يفرّقه أيّ شيء عن هذه الطغمة الحاكمة، إذ يكون قد دخل العمل السياسي من خلال استغلال همّ الناس ووجعهم بأبشع الطرق أي احتيالاً على الناس وأوجاعهم.

من هنا، على النّاس أن يختاروا مرشّحيهم وفقاً للقواعد الآتية:

– محاسبة هذه الطبقة الحاكمة بناء على أدائها السياسيّ، وعدم أخذ الكلّ في سلّة واحدة على قاعدة الشعار الشعبويّ “كلّن يعني كلّن”. فهذا الشعار سقط أمام هول فساد بعض السياسيّين، كي لا نقول أغلبهم، من قبل مَن كشفهم في ممارسته للعمل السياسي على قاعدة الشفافيّة وإيمانه بالعمل المؤسّساتي.

– المشروع السياسي الذي يحمله المرشّح المفتَرَض على قاعدة بناء الدّولة ومؤسّساتها إنطلاقاً أوّلاً من تثبيت سيادة الدّولة، وقدرته على اجتراح الحلول النّاجعة لتثبيت السيادة باستراتيجيّة سياديّة، كما ذكرت في مقالات سابقة، تحمي الدّولة من أيّ عمليّة قضمٍ سياديٍّ آنيٍّ أو مستقبليٍّ.

– قدرة المرشّح المفترَض على الشعور مع النّاس، لأنّه يجب أن يكون منهم وفيهم، لا مُسْقَطاً من برجٍ عاجيٍّ ما، نتيجة لثروته الماديّة التي تغطّي جهله السياسي وشعوره الاجتماعي.

– إنتماء هذا المرشّح إلى خطّ سياسيٍّ واضحٍ، لو كان مستقلاً وغير منتسبٍ إلى أيّ حزبٍ سياسيٍّ، مع العلم أنّ قدرة الأحزاب التنظيميّة هي كفيلة بإيصال المرشّحين المفترَضين لديها بغية إيصال مشروعها السياسيّ.

– إلى ذلك كلّه، على أيّ مرشّحٍ مفترض أن يتمتّع بحريّته الكيانيّة الأصيلة المطلقة، بخاصّة إذا كان حزبيّاً، لأنّ الحريّة الشخصيّة وحدها كفيلة بأن يقدر هذا المرشّح أن يعكس مشروعه بكلّ حرّيّة وأمانة وشفافيّة.

على هذه القواعد يجب أن يختار اللبنانيّون مرشّحيهم للإنتخابات المقبلة، لا على قاعدة الانتماء المناطقي، أو الطوائفي، أو العائلي، أو غيره. فإذا استقال النّائب من دوره السياسي واكتفى فقط بعمله التشريعي وخدماته الاجتماعيّة، تحوّل بعمله إلى ما يشبه أيّ جمعيّة غير حكوميّة. وهنا خطورة هجمة المجتمع المدني على العمل السياسي، إذ قد يحوّل هذا العمل لقدسيّته، إذا نجح بالسيطرة على أكثريّة البرلمان، إلى مجرّد جمعيّة إجتماعيّة تعارض العمل السياسي للمعارضة وتكتفي فقط بالشأن الاجتماعي لتستغلّ أوجاع النّاس؛ وكم هي كثيرة في هذه الأيّام!

فحذارِ تفريغ العمل السياسي من السياسة والاكتفاء بما هو اجتماعيّ على أهميّته. لذلك كلّه، يجب بلورة مشاريع سياسيّة قادرة على مواجهة أيّ مشروع يتناقض ومشروع الدّولة. وفي هذا السياق، يبرز المشروع الذي تقوده منظّمة “” حيث حوّلت بالكامل إلى دولة تحت سيادتها العسكريّة، والأمنيّة، والاقتصاديّة، وحتّى الاجتماعيّة. ولصالحها وحدها إدخال هذه الفئة إلى الحياة السياسيّة؛ لا سيّما وأنّنا لم نسمع بعد أيّ موقف من هؤلاء يشجب الاعتداء على السيادة من قبل هذه المنظّمة.

بذلك فقط يغيب المشروع الذي يواجه مشروع المنظّمة السياسيّ، وتصبح عندها أكثريّتها مطلقة في البرلمان، وسيطرتها بالكامل دستوريّاً على الدّولة ومؤسّساتها كلّها. وعندها يتحمّل النّاخبون المفترَضون مسؤوليّة انتخابهم، كما يتحمّل اليوم مَن سبقهم مسؤوليّة الوضع الذي أوصلنا إليه مرشّحوهم الذين يتحكّمون بالأكثريّة الموجودة في السلطة. وعندها لا يعود ينفع البكاء وصريف الأسنان. ومن له أذنان للسماع… فليسمع !

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى