بعيدًا من زحمة الأحقاد

بعيدًا من زحمة الأحقاد
بعيدًا من زحمة الأحقاد

كتب قاسم يوسف في ليبانون ديبايت:

يعرف المحترفون في لعبة الأمن والسياسة أن الاغتيال عادة لا يكون انتقامًا من ماضٍ مضى، بقدر ما يكون حاجزًا أمام دور مستقبلي يؤرق القتلة ويدفعهم نحو حسم خياراتهم بلا تردد. هذا ما انطبق تمامًا على اغتيال رفيق الحريري، حيث أيقن العقل المدبر بأن تداعيات إزاحته، مهما بلغت في سلبياتها وتعقيداتها، ستكون أقل بما لا يُقاس من تداعيات بقائه على قيد الحياة. وهذا ما ينطبق أيضًا على سلسلة من الاغتيالات المعنوية التي تتخطى في فداحتها حصرية الشطب الجسدي، وهو الذي يُحوّل ضحاياه إلى أيقونات غير قابلة للنقد أو المسّ.

تدرّج عقب انتخاب من رأس حربة في مواجهة التسوية ومفاعيلها إلى ما يلامس الصمت المطبق، ثم قرر أن يعتكف في الظل بعد أن أُحرج وأُخرج من المعادلة السياسية والتشريعية. لكن ذلك لم يحُل دون المواظبة على صفعه واتهامه، وصولاً إلى الإصرار على النيل من سمعته ونزاهته وكرامته، في ما يشبه اغتيالاً سياسيًا ومعنويًا موصوفًا، واستهدافًا مُمنهجًا لركن أساسي من أركان الحريرية السياسية في مضامينها العميقة، فيما حاول الرجل جاهدًا أن يواجه بثبات وصلابة وغصة، ضمن مشهدية ملحمية لا تخلو من الحرقة ومن الضيم.

 

يرتاح إلى تفريغ الحالة الحريرية من مضمونها السياسي وإرثها التاريخي، عبر تحويلها من منصة وطنية تقبض على القضية والشرعية والوجدان، إلى نسخة جديدة منفصلة تمامًا عن الواقع وعن التاريخ, وهو إذ يساعد برحابة صدر في ضرب الأركان المستعصية على الكسر، يتولى ، عن قصد أو غير قصد، مهمة الإطاحة المزدوجة بالعقول الباردة وبالرؤوس الحامية، مستندًا في ذلك إلى رغبة شخصية مُفعمة بالصغائر، وإلى نصائح ملغومة تتمحور حول ضرورة استبعاد الأقوياء والملاكمين واستبدالهم بأشباح وأصنام على شاكلة أولئك الذين يسكنون المجاهل أو متاحف الشمع.

ما يبعث على القلق في هذه الحماقة هو المصير بحد ذاته، مصير أولئك الذين حسموا خياراتهم السياسية والوطنية بينما كانت أشلاء كبارهم تتناثر على أرصفة الطرقات وشرفات المنازل. راحوا يصبرون ويتعقلون ويعضون على جروحهم النازفة وكراماتهم المستباحة. كانوا ينتظرون إنصافًا لا بد سيأتي بعد ظلم مديد. لكنهم أصيبوا جميعًا بإحباط تلو إحباط. وفجيعة تلو فجائع. إلى أن حط بهم الرحال في قلب الهزيمة، وصار لزامًا عليهم أن يختاروا أي كأس سُمّ سيتجرعون: كأس الاستسلام المذل، أو كأس الانقلاب المستحيل.

ثمة بين الكأسين إكسيرٌ يُدعى الدستور. وهو آخر الحصون التي تحفظ الكرامة وما بقي من ماء الوجه وتمنع الانزلاق الحتمي إلى العاصفة. لكن ذلك لا ينفع أيضًا مع سعد الحريري الذي رضخ لابتزاز وهرطقة وإهانة غير مسبوقة في قضية ما يُسمى اللقاء التشاوري، وقد بدا، قبل هذا وبعده، مجرد صندوقة بريد في لعبة التحاصص والتوازن والجشع، ثم انتقل مكسورًا ومهزومًا إلى حيث يجب أن يكون حاضرًا وقويًا. هناك حيث جلس صامتًا على طاولة مجلس الوزراء وهو يراقب عن كثب انتفاضة ميشال عون وصراخه ويده التي خبطت كالزلزال إيذانًا برفع جلسة هو أحد ضيوفها. 

نهرب من هذه الحقائق الموجعة إلى الحقد والتشفي وتعويم الصغائر. نعاقب فؤاد السنيورة وغيره على تمايزهم وفرادتهم وعلى موقفهم التاريخي والشجاع من تسويات بلا أفق. ونذهب نحو توزيع الصفعات واللعنات والشتائم بحق أولئك الذين وقفوا كالرمح في مواجهات قاتلة وحامية الوطيس، غير أبهين ولا مدركين لفداحة هذا المنزلق وانعكاسه الرهيب على البيئة التي تحتضن ما اصطلح على تسميته الحريرية السياسية أو الوطنية، وعلى حضورها الكامل والوازن والمؤثر في تركيبة الدولة والنظام. 

بدا لافتًا جدًا اعتذار من والدته صبيحة انتقالها إلى مثواها الأخير، وهو اعتذارٌ منوط بغيابه القسري عن آخر خفقاتها بينما كان يسافر بعيدًا من زحمة الأحقاد. ثمة في هذا الرثاء ما يُدمي القلب. وفيه أيضًا ما يحثّ الذاكرة على انتعاش أو ارتعاش، كما لو أنها أمام مقطع مستفز من حكاية رهيبة مع أوجاع لا تأتي فرادى، وعلى رأسها ظلم ذوي القربة، الذي قيل إنه أعمق وقعًا وأشد مضاضة.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى