مدن السودان تنتفض... تسقط بس

مدن السودان تنتفض... تسقط بس
مدن  السودان  تنتفض... تسقط بس

كتبت مزنة الزهوري في السياسي:

ظهر الرئيس السوداني “عمر البشير” بعد ستين يوماً على بدء الإنتفاضة على حكومته، ليصدر مجموعة من المراسيم والتشريعات أبرزها إعلان حالة الطوارئ لمدة عام، وحلّ حكومة الوفاق الوطني، وحلّ حكومات الولايات والتعهد بفتح تحقيقات عادلة تنصف المفقودين خلال الأحداث. هذه القرارات لم تفلح في امتصاص غضب الشارع السوداني أو تهدئة المحتجين الذين أعلنوا رفضهم لمثل هذه الإجراءات، وطالبوا باستمرار المظاهرات احتجاجا على فرض حالة الطوارئ.

وانتقد “تجمع المهنيين السودانيين”، وهو الجهة الرئيسية لتنظيم الاحتجاجات، الكلمة التلفزيونية التي أعلن خلالها البشير حالة الطوارئ، بوصفها محاولة من أجل “التشبث بالسلطة”.

 يذكر المتحتجون على نظام البشير، أنّه قام بتأجيج النيران بين الجنوب والشمال منذ توليه السلطة، الأمر الذي انتهى بفصل الجزئين عن بعضهما. طيلة ثلاثين سنة والنظام السوداني يحاول خلق العداوات بين المواطنين، ينشر الكراهية والطبقية تجاه الناس بعضهم البعض، على حدّ تعبير المنتفضين عليه.

ويعتبر المواطنون السودانيون أنّ الثورة السودانية لم تكن وليدة يوم وليلة، بل هي موجودة منذ توليّ هذا النظام للسلطة في 1989م، ولكنّ الشيء الذي يميز هذه “الإنتفاضة” عن سابقاتها كما يقولون، أنّها استطاعت أن تغيّر جميع المفاهيم.

انتفاضة 2018م رسّخت بذهن الشعب السوداني أنّ جميعهم مترابطون، و ألغت مفاهيم البغضاء التي زرعها وثبّت جذورها النظام.

يقول أحد النشطاء في الثورة السودانية م. س: ” عندما يكون المتظاهرون في أحياء غير التي يعيشون فيها، وتهجم قوات الأمن لتخمد المظاهرة، وتعتقلهم… حينها نجد السيدات وأهالي هذه الأحياء يتصدون لقوات الأمن، ويخفون المتظاهرين في منازلهم. وهنا تتجلى أبرز أوجه تضحية المواطنين بأرواحهم لحماية مواطنيين آخرين.”

و يكمل م.س: ” كونك مع المتظاهر في حيّ ثاني، تشعر أنّ الناس كلّها بتعرفك وبتتعاون معك. و إذا أنت من الناشطين، الأُسر بتعاملك كفرد من البيت. الأمّ أو البنت أو الزوجة  بتتصدى لكلّ خطر سيحيط بالمنزل.

المفاهيم تغيرت في الثورة وليس بسبب المطالبة برحيل نظام البشير فقط. إنتفاضتنا هي إنتفاضة وعي. ” نعم وعي” هكذا يردد الشعب السوداني اليوم بكلّ أطيافه.”

في يوم التاسع عشر من الشهر الأخير في عام 2018م، قدّم تجمّع المهنيين في السودان مذكرة لرفع الأجور الشهرية. بعد ذلك رفعوا المطالب مباشرة لإزالة نظام البشير.

يرى المنتفضون في السودان أنّ نهاية هذا النظام قريبة، حتى لو كان الإطار الزمني للإنتفاضة غير محدّد ولكن مايزيد عن ستين يوماً تشير لذلك. والدليل كما يؤكدون، أنّ معظم المنتسبين للحزب الحاكم “الكوز” بدأوا التخلي عنه.

“الكوز” هم  مجموعة أطلقوا على أنفسهم هذا اللقب بمجرد استلموا السلطة  قبل سنين. ويرددون

” أنّ تعاليم السلطة الإسلامية هي بحر و نحن كوز منغرف منه.”!

ابتدع النظام الحاكم حيلة جديدة للحفاظ على من تبقّى من عضويته، تتمثّل في فقه التحلل أو السُّترة. ذلك المصطلح الذي عرفه السودانيون حديثا، ضمن مصطلحات عدّة أسّست قاموسا سياسيا سودانيا ضخماً من الكلمات التوليفية خلال ربع القرن المنصرم، وهي خطوة أحسّ فيها المراقبون ببصمات “الترابي” الّذي عاد في التقرّب من الحزب الحاكم في ظروف جعلت المتابعين في حيرة من أمرهم.

المعروف عن “الترابي”، أن التدين عنده أقرب إلى علم الفلسفة والإجتهاد، لا إلى الدين، وفقه

التحلل أو السترة يسمح للمسؤولين التابعين للحكومة بردّ ما اختلسوه من المال العام دون أن تطالهم يد القانون، بينما يتمّ عقاب أفراد الشعب الآخرين بالجلد والزجّ بهمفي السجون لو سرق أحد منهم

 قطعة خبز

تواجه الإنتفاضة السودانية تعتيماً إعلامياً عالمياً، وصوتها متقطع لا يصل بالشكل الصحيح كما يخبر النشطاء السودانيون. هذا التعتيم يتزامن مع الأساليب الذي تتخذها الحكومة بسحب الرخصات من القنوات الفضائية التي  تغطي الإنتفاضة، مثلما حصل مع قناة الحدث وغيرها، فقد سحبت الحكومة الرخصة منهم وصادرت معداتهم بالكامل لأنّ المراسل والمصور للقناة ظهروا في قلب المظاهرات لتغطيتها، وتمّ اعتقالهما مباشرة.

يقود “تجمع المهنيين السوادانيين” الحراك الشعبي  بالترتيب والتكتيك للتظاهرات وحمايتها، بالإضافة لتظاهرات ووقفات فردية يقوم بها كوادر عاملة في المؤسسة التي يعملون بها.

تتميز منطقة ” بُريّ” في الخرطوم، و “العباسيّة” في أمّ درمان، بأكثر المناطق شراسةً بالأهالي ومظاهراتهم، وبالمقابل تردّ قوات النظام بشراسة لقمعهن. ويقوم أهالي هذه الأحياء بإقفال مناطقهم  بالحجارة والأسلاك و الإطارات المشتعلة والمتاريس، ليضمنوا سلامة المظاهرة بمن فيها.

اُستشهد57 شخصاً منذ إنطلاقة ثورة ديسمبر في السودان، جميعهم بنيران قوات الامن التي اقتحمت المظاهرات. من بينهم سيدات وأطفال وشيوخ.

الجدير بالذكر انّ دور النساء في الإنتفاضة السودانية، لم يكن سهلاً أبداً، فالعديد من الناشطات والمدافعات عن حقوق الإنسان معتقلات حالياً في سجون النظام السوداني، أبرزهنّ دكتورات في جامعات السودان أمثال د.آمال جبرالله، د. هاديا حسب الله…. وكثيرات.

إنّ وجود الناشطات والسيدات في الحراك الشعبي، واللواتي يلعبن دوراً مهما في تنظيمه وقيادته، يشكل خطرا على النظام، لذلك يقوم بإعتقالهن وحجبهن عن ممارسة نشاطهن في تطوير الحراك ضده.

كما يؤكد النشطاء السودانييون أنّه من المهمّ أن تعرف مختلف دول العالم، بأنّ مايجري في السودان ليس اقتتالاً أو مظاهرات داخلية وحسب. بل النظام الحالي هو ذاته الذي فصل السودان لدولتين.

وهو الذي خلق الحرب القبلية في دارفور قبل 15 سنة. ولا يزال أطفال جبال النوبة يعيشون تحت قصف الحكومة.

الحرب التي افتعلها النظام في السودان منذ توليه، إضافة إلى تحطيمه للإقتصاد السوداني من خلال تدمير مشروع الجزيرة (قطن التيلة)، ومن خلال بيعه لأسطول الخطوط البحرية  التجارية، والجوية التي كانت  مسبقاً الوحيدة بين الدول الإفريقية التي تسيّر رحلاتها من الخرطوم إلى أوربا.

كلّ هذا لا وجود له حالياً

المظاهرات بالآلاف تخرج يومياً بشكل منتظم وسملي لتطالب برحيل النظام المستيد الذي نهب خيرات البلاد ، من البترول والثروات الباطنية، الماشية والقطن .. ولازال يقيد الشعب لألاّ يظهر صوته خارج البلاد من خلال حصارهم وقطع الإنترنت و إقفال الصحف والمجلات والقنوات الفضائية التي تقترب لتواكب الثورة وترصد مجرياتها.

وعلى هذا وجّه النشطاء ومختلف أطياف الشعب السوداني المنتفض، نداءهم لجميع وسائل الإعلام والنشطاء في كلّ مكان للتضامن معهم والمساعدة في إيصال صوتهم، بأنّ ثورتهم ثورة شعبية مشروعة هدفها قلب وتغيير جميع المفاهيم والإطاحة بنظام ظالم مستبّد تمسك لعقود بالسلطة ودمّر خيرات البلاد وجزأها.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى