جائزة نوبل بالطب لعام 2019: كيف تستشعر الخلايا توافر الأكسجين وتتأقلم معه

جائزة نوبل بالطب لعام 2019: كيف تستشعر الخلايا توافر الأكسجين وتتأقلم معه
جائزة نوبل بالطب لعام 2019: كيف تستشعر الخلايا توافر الأكسجين وتتأقلم معه


جائزة نوبل بالطب لعام 2019: كيف تستشعر الخلايا توافر الأكسجين وتتأقلم معه – مُنِحت جائزة نوبل في الطب أو الفيزيولوجيا لعام 2019 لكل من ويليم كيلين الابن William Kaelin, Jr. والسيد بيتر راتكليف Sir Peter Ratcliffe وغريغ سيمنزا Gregg Semenza. فُهِم احتياج الأكسجين للحفاظ على الحياة منذ بداية ظهور البيولوجيا الحديثة، لكن الآليات الجزيئية الكامنة وراء كيفية تأقلم الخلايا مع التغيرات في إمدادات الأكسجين بقيت غير معروفة لغاية هذا العمل الحائز على الجائزة.

تخضع الخلايا الحيوانية لتبدلات أساسية في التعبير الجيني عندما تواجه تغيرات في مستويات الأكسجين حولها. تؤدي هذه التبديلات الجينية إلى تعديل الأيض (الاستقلاب) الخلوي وإعادة نمذجة النسيج tissue re-modeling وحتى الاستجابات العضوية مثل ازدياد معدل ضربات القلب وعدد مرات التهوية.

حدد غريغ سيميزا في دراسات أُجريَت أوائل تسعينيات القرن الماضي عامل نسخ ينظم هذه الاستجابات المعتمدة على الأكسجين، ثم نقَّاه واستنسخه عام 1995. أطلق على هذا العامل اسم HIF (العامل المحرَّض بنقص الأكسجة Hypoxia Inducible Factor) وأظهر أنه يتكون من مُركبتين: الأولى حديثة وحساسة للأكسجين HIF-1α والثانية معروفة مسبقًا، بروتين غير منظم للأكسجين يُدعى ARNT.

شارك ويليم كيلين عام 1995 في دراسة للجين الكابح لورم فون هيبل لينداو von Hippel -Lindau tumor، وأظهر بعد عزل أول مستنسخ لكامل طول الجين أن باستطاعته كبح النمو الورمي في السلالات الخلوية الطافرة المولدة لورم فون هيبل لينداو VHL.

أثبت راتكليف بعد ذلك عام 1999 وجود ارتباط بين VHL والعامل المحرض بنقص الأكسجين ألفا HIF-1α ما بعد ترجمة وتراجع استشعار الأكسجين. أخيرًا، أظهرت مجموعتي كيلين وراتكليف معًا أن تنظيمHIF-1α هذا عبر VHL يعتمد على هدركسلة (إضافة جذر هيدروكسيل) HIF-1α، تعديل تساهمي يعتمد بحد ذاته على الأكسجين.

من خلال العمل المشترك لهؤلاء الفائزين الثلاثة أُثبِت أن استجابة التعبير الجيني لتغيرات الأكسجين مرتبطة بشكل مباشر مع مستويات الأكسجين في الخلية الحيوانية، فاسحة المجال للاستجابة الخلوية السريعة للأكسجة بالظهور خلال عمل عامل النسخ HIF.

الأكسجين والحياة الحيوانية

أثبت العالم السويدي كارل شيل Carl Scheele في سبعينيات القرن الثامن عشر من خلال حساباته أن ربع حجم الهواء ما أسماه (نار الهواء feuer luft أو fire air)، هو المركب الذي يسمح للمواد بالاحتراق في الغلاف الجوي. نُشِرَ ذلك عام 1977. (شيل، 1977)

جائزة نوبل في الطب عام 2019

جائزة نوبل في الطب عام 2019

وجد جوزيف بريستلي Joseph Priestley أيضًا في الوقت ذاته في إنجلترا طريقة لتنقية هذا الغاز غير المعروف سابقًا، مسميًا إياها de-phlogisticated air )بريستلي 1977). كان أنتوني لافوازيه Antoine Lavoisier متزامنًا مع شيل وبريستلي في إجراء التجارب لعزل هذه المادة في ، وأطلق لافوازيه على هذا الغاز اسمه المعروف اليوم: الأكسجين (لافوازيه 1977).

يُعد الأكسجين ضروريًا لحياة الحيوانات خلال تفاعلات الأكسجة التي تقود إلى تحويل الأغذية في الطعام إلى طاقة (ATP). معايرة الحالة الخلوية مع كمية الأكسجين المتوافر هي بالتأكيد عملية حاسمة في التحكم بالأيض. عُرِف ذلك لأكثر من قرن من الزمن، على سبيل المثال: كان لويس باسترLouis Pasteur أول من أظهر وجود توازن معقد بين استخدام الأكسجين في الخلية الحيوانية، وأن تلك الخلايا تستخدم عدة طرق لإتمام تحويل الطاقة في عام 1858 (باستر 1858).

ظهرت الآليات الكامنة وراء استشعار الأكسجين في الخلايا الحيوانية سابقًا في جائزتي نوبل منذ أكثر من 75 عامًا؛ أوتو فاربورغ Otto Warburg عام 1931 لاكتشافاته المتعلقة بالأساس الإنزيمي للتنفس الخلوي، وكورونيل هيمان Corneille Heymans عام 1938 لاكتشافاته حول دور الجهاز العصبي في الاستجابة التنفسية للأكسجين. على أي حال، معظم القرن العشرين، لم يكن واضحًا كيف يُنظَّم التأقلم لتدفق الأكسجين في المستوى الأساسي من التعبير الجيني.

التأقلم مع تغيرات الأكسجين

القدرة على الاستجابة السريعة والتأقلم لتغيرات الأكسجين ضرورية في كل الخلايا الحيوانية تقريبًا. من الواضح خلال دراسات التصنيف الجزيئي أنه خلال التطور، وفي الوقت الذي بدأت فيه الخلية الحيوانية بتنظيم نفسها لبنىً ثلاثية الأبعاد عديدة الخلايا، أصبحت هذه الاستجابة لتدفق الأكسجين أكثر من تفاعل خلوي مستقل يسمح بالتأقلم الأيضي في خلايا الفرد، بل أيضًا سمحت بتطور الاستجابات الفيزيولوجية المتعددة.

تحتاج الخلايا إلى التأقلم بطرق مستقلة عديدة لتغيرات مستويات الأكسجين، خاصة من خلال ضبط معدلات الأيض. عندما فحصنا هذه الاستجابة على مستوى الأنسجة والأعضاء، وجدنا أن الكائنات متعددة الخلايا تحتاج إلى كل من إعادة نمذجة الأنسجة لتتأقلم مع تبدلات مستويات الأكسجين(على سبيل المثال، من خلال إعادة بناء الأوعية الدموية بعد تأذيها) وتأقلم العضوية بأكملها لتعويض تغيرات الأكسجين (زيادة الاستجابة التنفسية المُشاهَدَة أثناء التمرين مثلًا، أو في المرتفعات)

على سبيل المثال: عند البشر في الارتفاعات العالية، تستشعر خلايا خاصة في الكلية هذه التغيرات في مستويات الأكسجين ما يدفعها إلى إطلاق هرمون الإيريثروبوتين erythropoietin (EPO). ينشط هذا الهرمون تصنيع كريات الدم الحمراء في نقي العظم.

واحدة من طرق إطلاق هذا التفاعل هي التعرض لمستويات منخفضة من الأكسجين على الارتفاعات العالية: العيش في المرتفعات يسرع إنتاج EPO من الكليتين، مؤديًا إلى زيادة تركيزه في الدم، الذي يساعدنا بدوره على التأقلم مع المستويات الأدنى من ضغط الأكسجين الجزئي.

يمكن أن تتعرض الحيوانات إلى بيئات منخفضة الأكسجين، لكن الأهم، أن مستويات الأكسجين تختلف بين النسج أيضًا. تختلف مستويات الأكسجين في الأنسجة عند الحيوانات باختلاف كل من الزمان والمكان، وتحدث هذه التغيرات خلال أحداث فيزيولوجية طبيعية (انخفاض الأكسجين المتاح في العضلات الهيكلية أثناء التمرين، على سبيل المثال) وكذلك في العمليات المرضية مثل السرطانات والإنتانات.

أصبح واضحًا من الأبحاث التي أُجريت في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي أن هذه الاختلافات الموضعية والمؤقتة في ضغط الأكسجين الجزئي تنظم استجابات التأقلم الحرجة في كل من الخلايا والأنسجة عبر التغييرات في نسخ الجينات. تبدل هذه التغيرات الجينية الأيض الخلوي، وتنظم العمليات التطورية والإصلاحية والدفاعية الأساسية بما في ذلك العمليات المختلفة مثل تشكل الأوعية الدموية والالتهابات والتطور.

إن قدرة الخلية الحيوانية على استشعار التراكيز المختلفة للأكسجين وبالتالي يُعد تجديد أنماط التعبير الجيني ضروريًا لبقاء مختلف الحيوانات. تؤثر طرق الإشارات المفعلة بالأكسجين والخاضعة لتحكم هذه السبل على 300 جين (مورثة) على الأقل، وتتبع مجموعة واسعة من الشبكات التنظيمية. تتخلل هذه المسارات الجزيئية العديد من العمليات الفيزيولوجية، التي تتراوح من تطور العضوية والاستتباب الأيضي حتى تجديد الأنسجة والمناعة، وتلعب دورًا مهمًا في العديد من الأمراض بما فيها السرطانات.

استجابة الأكسجين وتشكل الكريات الحمراء

من المؤكد تقريبًا أن أي سبيل إشارة له أهمية كبيرة في حياة الحيوان سيشمل عدة طبقات من الضبط الدقيق ونقاط تقاطع مع سبل جزيئية أخرى، وسبيل استجابة الأكسجين ليس استثناءً. لذلك كما هو متوقع، لم تتوقف التفاصيل الجزيئية لاستجابة الأكسجين بالظهور عند الاكتشاف الذي مُنح الآن جائزة نوبل لعام 2019. بل على العكس من ذلك، فتحت هذه الاكتشافات الأساسية المجال وأدت إلى العمل الذي كشف عن تعقيدات جزيئية هائلة للاستجابة لتدفق الأكسجين.

تركز الاكتشافات المهمة لغريغ سيمينزا وويليام كيلين والسيد بيتر راتكليف كلها على عمل عامل نسخ HIF (العامل المحرض بنقص الأكسجة). يمتلك العامل جذورًا تعود إلى عمل آخر قامت به مجموعة من الأشخاص بين عامي 1986 و1987، متضمنين موريس بوندورانت Maurice Bondurant ومارك كوري Mark Koury وجيمي كارو Jaime Caro، إذ أظهر عملهم أن نقص الأكسجة يسبب زيادة في تعبير نسخ EPO في الكليتين. كان لهذه النتائج جذور في تجارب تعود لعام 1882 ولعالم الفيزيولوجيا الفرنسي بول بيرت Paul Bert الذي أوضح تأثيرات نقص الأكسجة على الجملة القلبية الوعائية للمرة الأولى عام 1878 وكان أول من أظهر أن التعرض للمرتفعات يزيد عدد كريات الدم الحمراء عام 1882.

عزل HIF

عندما أُدركَ أن جين EPO يُظهر استجابة استنساخية محرضة بنقص الأكسجين، اتجهت الخطوة التالية لتحديد تسلسل DNA الحقيقي في المناطق المنظمة لهذا الجين المسؤولة عن استشعار الأكسجين.

قرر سيميزا تتبع نسخ عناصر EPO التنظيمية في الفئران المعدلة جينيًا، مستخدمًا نُسخًا بأحجام مختلفة من قطع DNA متضمنة الجين البشري. حدد سيميزا وزملاؤه أولًا أن منطقة 4 كيلو قاعدة تغطي سلسلة ترميزEPO ، بالإضافة إلى بعض تسلسلات 5’ و3’ المتوالية المجانحة، مؤدية إلى إنتاجEPO في كل الأنسجة المعدلة جينيًا، ومسببة ارتفاعًا في مستويات EPO الجائل في الدوران وما ينتج عنها من كثرة كريات حمرpolycythemia . أظهر لاحقًا أن البنى الأطول لهذا الجين الحاوية على 6 كيلو قاعدة من 5’ محيطين للحمض النووي DNA كانت قادرة على منح تعبير EPO القابل للتوليد في الكليتبن.

أشار هذا العمل إلى تنظيم النسخ المعقد لاستجابة EPO للأكسجين، متضمنة كلًا من عناصر التنظيم الإيجابي والسلبي معًا.

نشر سيميزا في العام التالي1991، دراستين إضافيتين أضافتا معلومات مهمة حول تنظيم جين EPO. حددت الدراسة الأولى فرط حساسية DNAse في منطقة صغيرة في المتوالية المجانحة 3’ من DNA التي تربط عدة عوامل نووية، اثنان منها على الأقل كانا محرضين بفقر الدم في الكبد والكليتين. كانت هذه المنطقة الصغيرة قادرة على العمل بهيئة معزز قابل للتحريض بنقص الأكسجة في فحوص التعبير الجيني السريعة في المختبر، ووصفت الدراسة الثانية بشكل أدق تنظيم نسخEPO في النماذج المعدلة جينيًا. في الوقت نفسه تقريبًا، أظهر عمل السيد بيتر راتكليف وجيمي كارو في المختبر وجود عنصر يتصرف بشكل مقرون من DNA3’ لجين EPO الذي يمنح الأكسجين قابلية الاستجابة للمرسال البنيوي المدخَل صناعيًا إلى خلايا الورم الكبدي المزروعة.

وجَّه العمل الملخَّص سابقًا سيميزا عام 1992 إلى تحديد حوالي 50 زوج قاعدة مثبتين على النهاية 3’ لجين EPO الممكن استخدامها لإثارة التعبير الجيني للمرسال المحرِّض لنقص الأكسجة في الخلايا المزروعة. يربط هذا المعزِّز الذي أسماه سيمينزا عامل استجابة نقص الأكسجة hypoxia response element (HRE)، العديد من العناصر النووية في خلايا الورم الكبدي، واحد منها كان بنيويًا والآخر كان محرضًا بمستويات الأكسجين المنخفضة. سُمِّي العامل الأخير بناءً على ذلك بالعامل المحرَّض بنقص الأكسجة hypoxia-inducible factor (HIF) من قبل سيمينزا.

كان كل من راتكليف وسيميزا قادرين على إثبات أن معزِّز EPO3’ يمكن أن يقود إلى تعبير المرسال المحرض بنقص الأكسجة على نطاق واسع في أنواع الخلايا عند الثديات. أظهر ذلك أن الآلية الجزيئية المتورطة في تنظيم الأكسجين في جين EPO كانت نشيطة في مجموعات مختلفة من الخلايا الحيوانية، فتحت هذه النتيجة المجال أمام احتمالية كون هذا العامل الجديد يمثل جزءًا من آلية خلوية مشتركة لاستشعار الأكسجين.

أثارت فكرة أن HIF المحرض بنقص الأكسجة قد يشُاهَد في أنواع عديدة من خلايا الثديات، ليس فقط في الخلايا المنتجة EPO في الكبد والكليتين اهتمام شريحة أوسع من العلماء وانتباههم. وأشار اكتشاف HIF إلى إمكانية وجود آلية جزيئية شاملة كامنة وراء التأقلم الأيضي وتحديد إعادة نمذجة الأنسجة في سياق استجابة النسيج لتدفق الأكسجين.

في هذه المرحلة، اتخذ سيمينزا نهجًا كيميائيًا حيويًا لتنقية البروتين من كميات كبيرة من المستخلصات الخلوية. كاختبار وظيفي لـ HIF أثناء تنقيته، استخدم معايرة تبدل التحرك الرحلاني (EMSA) المطبقة على عنصر المحسن 3´ في جين .EPO

كشف استنساخ DNAc لمتتاليات وتسلسلات الأحماض الأمينية للبروتين المنقَّى أن HIF نفسه كان مثنويًا مغايرًا يتألف من اثنين من المركبات الجينية المختلفة. المركب الأول هو القسم المستشعر للأكسجين، سماه سيمينزا HIF-1α، والمركب الثاني كان عبارة عن جين معبَّر عنه بشكل أساسي، سُمي في البداية HIF-1b حتى أصبح من الواضح أن هذا المركب الثاني وُصِف واستُنسِخ سابقًا كناقل نووي لمستقبِل آريل الهيدروكربوني ARNT. يتغاير بروتين ARNT مع عدد من العوامل الأخرى، وبما أن تعبيره لا يتعلق باستشعار الأكسجين، أصبح من الواضح سريعًا أن HIF-1α هو منظم قابلية الاستجابة للأكسجين في مركب HIF.

عائلة العامل المحرض على نقص الأكسجة الإجمالية:

عملَت على استنساخ أحد البروتينات المرتبطة بعامل تحريض نقص الأكسجة HIF-1 ألفا بشكل مستقل أربع مجموعات مثل Steven McKnight ،Christopher Bradfield، وWerner Risau وYoshiaki Fujii-Kuriyama جميعهم عام 1997 (Ema et al., 1997; Flamme et al., 1997; Hogenesch et al., 1997; Tian et al., 1997)، وأُطلق عليها عدة أسماء في البداية أحدها ما يزال مستعملًا حتى الآن وهو HIF-2 ألفا، لكن هذه المورثة حُددت بدقة وهي EPAS1، تُرمز هذه المورثة بروتينًا يشابه كثيرًا في تسلسله HIF-1 ألفا ويرتبط أيضًا بالبروتين ARNT بشكل مثنوي مغاير، ويشارك أيضًا HIF-1 ألفا في حساسيته لنقص الأكسجة ويملك بشكل أساسي جميع المحفزات التنظيمية الموصوفة في HIF-1 ألفا.

على أي حال يوجد بعض الاختلافات البنيوية بين HIF-1 ألفا وEPAS1، فالجزء المشطور من مورثة HIF-1 لدى الفئران يعطي نمطًا ظاهريًا واضحًا (مثلها معدل الموت المتوسط في مرحلة الحمل)، بينما الجزء المحذوف من مورثة EPAS1 يملك أنماطًا ظاهريةً متنوعةً بشدة (ينتج ذلك غالبًا عن التغيرات في الخلفية الوراثية). يوجد بالإضافة إلى ذلك العديد من الأدلة التي تثبت أن بعض الاستجابات لنقص الأكسجة يتحكم بها واحد أو أكثر من مماكبات HIF الحساسة للأكسجين، على سبيل المثال يبدو أن تكون الكريات الحمر تتحكم به EPAS1.

عملية تنظيم HIF هي عملية لاحقة للترجمة وتتعلق ب VHL:

أظهرت البيانات التي جُمعت من عدد من المختبرات ومنها مختبر Ratcliffe الخاص، أن مستويات بروتين HIF-1 ألفا تُنظم نفسها بواسطة التغيرات في ثبات البروتين، وأن عملية التنظيم لا تقتصر على التغيرات التي تصيب عملية نسخ البروتين وتصنيعه. توصل بعض المجموعات إلى برهان إضافي ومنها Caro وH. Frank Bunn، ينص هذا البرهان على أن HIF-1 ألفا كان يُدرَّك بواسطة سبيل اليوبيكوتين البروتيوزومي، وهو سبيل معتمد على الأكسجين، حدد هذا العمل أيضًا المجال البنيوي في HIF-1 ألفا المسؤول عن تدركه المعتمد على الأكسجين بدقة (التي تُدعى المنطقة ODD في البروتين والموجودة في كل من HIF-1 ألفا وESAP1).

تقريبًا في هذه المرحلة عام 1995 نشرت مجموعة Kaelin لأول مرة التسلسل الكامل للمورثة الكابحة لورم VHL، وأظهرت أن إعادة تقديم نسخة جامحة من VHL في صف خلوي من خلايا ورمية لسرطان الكلية منع هذا الصف من تشكيل الورم.

عمل Kaelin وبعض المجموعات الأخرى على دراسة مورثة VHL وعلاقتها بعدد من العائلات المورثية التي تملك نزعة لتشكيل أنواع محددة من ، وضمت الورقة التي نشرها Kaelin أن VHL هي مورثة كابحة للورم ونشاطها يعمل على تثبيط نمو الورم في الخلايا المأخوذة من مرضىً يعانون من طفرة في VHL. وأظهر العمل المشترك بين مجموعة Kaelin ومجموعة Mark Goldberg عام 1996 خلال الحلقة الدراسية التي هدفت إلى تحديد صفات VHL أن المورثات المستهدَفة بواسطة HIF عُبر عنها بشكل مفرط في الصفوف الخلوية التي تملك نمطًا طافرًا من VHL. يوحي هذا الاكتشاف بأن سبيل استجابة HIF وسبيل تشكل الورم المتعلق بـ VHL قد يكونان مرتبطين بطريقة ما.

وُجد لاحقًا دليل آخر مرتبط بوظيفة VHL أثناء تحديد القرائن الرابطة لبروتين VHL. وجد Richard Klausner وزملاؤه بالإضافة لمجموعة Kaelin عام 1995 أن VHL يتفاعل مع عوامل الإطالة B وC في عملية النسخ، وفي عام 1997 أظهر Klausner وW.Marston Linehan وزملاؤهم أن VHL وُجد في مُعقَّد مع بروتين Cul-2 وهو عامل مرتبط بعملية ربط البروتين بمعقد اليوبيكوتين، وأُعيد هذا الاكتشاف لاحقًا بواسطة Kaelin. وانطلاقًا من كون عامل الإطالة C والبروتين Cul-2 يظهران تشابهًا في البنية مع Skp1 وCdc53 -وهي عوامل معروفة بكونها تستهدف عددًا من البروتينات لتقويضها بالاعتماد على اليوبيكوتين- يتجلى لنا وجود ارتباط محتمل بين VHL وعملية تقويض البروتين.

يُستهدف HIF للتقويض البروتيازي والربط باليوبيكوتين بواسطة VHL:

خلال الفترة التي اتضح فيها أن HIF-1 ألفا وEPAS1 بين عامي 1996 و1998 يتدركان بسرعة بالتقويض البروتيازي في مستويات الأوكسجين المعتدلة، لم يكن معروفًا بعد كيفية تثبيط هذه العملية في حالة نقص الأكسجة. كانت القطعة الناقصة من الأحجية هي أنزيم يوبيكوتين E3 ليغاز ligase الذي يُشتبه في كونه مرتبطًا باستهداف HIF لتقويضه. هنا توصل Ratcliffe وزملاؤه إلى اكتشاف مبهر عام 1999 في ورقة مهمة أظهرت أن معقد VHL متعلق بعملية تحلل HIF-1 ألفا، وبعد ذلك أظهروا بمشاركة آخرين أن VHL يمثل عاملًا في المعقد الأنزيمي ليغاز اليوبيكوتين E3 في هذه العملية.

القطعة الحاسمة المتبقية من هذه الأحجية في هذه المرحلة هي معرفة كيف يحدث التفاعل بين VHL وHIF-1 ألفا وبالنتيجة كيف يُضبط تدرك HIF-1 ألفا بواسطة الأكسجين.

اتضح عام 1999 في مرحلة مهمة أن التفاعل بين VHL وHIF-1 ألفا يتطلب نشاطًا معتمدًا على الأكسجين والحديد. استهل هذا الاكتشاف البحث في آلية كل من: تحوير HIF-1 ألفا الكيميائي المعتمد على الأكسجين التي تمهد الطريق لربطه بVHL، والأنزيم أو الأنزيمات التي تحفز هذا التفاعل.

في ذلك الوقت كان معروفًا أن عملية هدركسلة البروتينات (إضافة زمرة OH) المعتمدة على الأكسجين تحدث في بروتينات الكولاجين وأن هذه العملية تُحفز بواسطة أنزيم هيدروكسيلاز ثمالة البرولين في الموقع الرابع من الكولاجين collagen prolyl- 4- hydroxylase، بالنتيجة كان من المعقول الشك في كون بقايا هدركسلة البرولين المعتمدة على الأوكسجين في HIF-1 ألفا قد تمنح التغيير المطلوب للسماح بارتباط VHL، الأمر الذي تبينت صحته لاحقًا. وضحت مختبرات Ratcliffe وKaelin عام 2001 أن الهدركسلة في الموقع الرابع المعتمدة على الأوكسجين لثمالتي البرولين في النطاق ODD في HIF-1 ألفا زادت من ألفة ارتباط معقد VHL مع عامل نسخ HIF.

التغيرات المعتمدة على الأكسجين:

تتطلب هدركسلة البرولين الأكسجين، ونتيجةً لذلك تجلى للعيان الآلية المذهلة لتنظيم بروتينات HIF-1 وEPAS1: في غياب الأكسجين لا يمكن أن تحدث هدركسلة ولا يتعرف VHL على HIF-1 ألفا، لذا لا يرتبط HIF-1 بمعقد اليوبيكوتين ويتجنب التقويض البروتيازي ويبقى سليمًا، فيتراكم بعد ذلك ويحرض عملية نسخ برنامج المورثة ألفا المحرَضة بنقص الأكسجة.

شرح الصورة: عندما يكون تركيز الأكسجين منخفضًا (نقص أكسجة) يكون HIF-1 ألفا محميًا من التدرك ويتراكم في النواة بينما يعمل بالمشاركة مع ARNT ويرتبط بتسلسل DNA معين (HRE) في المورثات المنظَمة بنقص الأكسجة (1). في مستويات الأكسجين الطبيعية يتدرك HIF-1 ألفا بروتيازيًا (2). ينظم الأكسجين عملية التدرك عبر إضافة زمر الهيدروكسيل إلى HIF-1 ألفا (3). بروتين VHL يتمكن بعد ذلك من تشكيل معقد مع HIF-1 ألفا مؤديًا إلى تدركه بالسبيل المعتمد على الأكسجين (4).

تعرف Ratcliffe ومجموعته إضافة إلى McKnight ومجموعته بشكل مستقل على مورثات هيدروكسيلاز ثمالات البرولين prolyl hydroxylase( PHD) المتعلقة بهدركسلة HIF-1 ألفا وEPAS1 في أوراق نُشرت عام 2001 وصفت عزل هذه المورثات. عزلت مجموعة Kaelin أيضًا مورثات PHD باستخدام طرق كيميائية حيوية ونشرت هذا العمل عام 2002. سهل التعرف على أنزيمات الهيدروكسيلاز هذه إمكانية تكوين مثبطات أنواع معينة من PHD لزيادة نشاط HIF-1 ألفا (على سبيل المثال لزيادة تراكيز الإريتروبويتين EPO لدى مرضى فقر الدم).

اكتُشفَت آلية أخرى تعتمد على الأكسجين لا تهدف لتقويض HIF-1 ألفا، وإنما تهدف لتثبيط دوره كعامل نسخ عام 2001، كان Semenza ومجموعته السباقين في التعرف على العامل المتعلق بذلك الذي أُطلق عليه اسم FIH-1 عامل تثبيط HIF والذي يمثل بدوره أنزيم هيدروكسيلاز معتمدًا على الأكسجين. في هذه الحالة تحدث الهدركسلة على ثمالات الأسباراجين في نطاق التفعيل النهائي N N- terminal activation domain الخاص بHIF-1 ألفا وEPAS1، ووجد Murray Whitelaw وRichard Bruick أن عملية الهدركسلة هذه تتعارض مع مساعد تنشيط النسخ p300. في هذه الحالة الأكسجين لا يُنشط تدرك HIF-1 ألفا عبر هدركسلة ثمالات البرولين في النطاق ODD فحسب، وإنما يستطيع أيضًا تثبيط وظيفة النسخ لبروتينات HIF-1 ألفا وEPAS1 التي استطاعت الهرب من التدرك المعتمد على VHL. نستنتج أن نشاط HIF يتثبط بآليتين مستقلتين للتثبيط التالي للنسخ المعتمد على الأكسجين. هذا يوحي بأن الحفاظ على مستويات HIF بشكل ملائم وتنظيمها بدقة بالاعتماد على تركيز الأكسجين الخلوي هو بالضرورة عملية نهائية متناغمة.

الأهمية الكبيرة لسبيل التحكم بHIF:

الجهد الذي بذلته العديد من المجموعات منذ ذلك الحين أظهر مدى صعوبة سبيل HIF ودوره الأساسي في تعديل التعبير المورثي المتأثر بالأكسجين. Semenza وKaelin وRatcliffe رسخوا أدوارهم البارزة في هذا العمل عبر اكتشافاتهم الرائدة الأصيلة، وارتبطت أسماؤهم بشرح الآلية البيولوجية الجزيئية لسبيل HIF، وزادوا من فهمنا أيضًا للأدوار الفيزيولوجية التي تلعبها الاستجابات لنقص الأكسجة في الصحة والمرض.

مهد اكتشاف أنزيمات هيدروكسيلاز البرولين التي تنظم ثبات HIF-1 ألفا الطريق للبحث عن مثبطات الهيدروكسيلاز لزيادة مستويات HIF، الأمر الذي فتح لنا آفاقًا واسعة لاكتشافات جديدة في علم الأدوية. يوجد في الواقع العديد من الأدوية المحتملة التي تزيد من وظيفة HIF عبر تثبيط أنزيمات PHD تخضع حاليًا للتجارب مع وجود العديد من السلاسل المنشورة التي تشرح فعاليتها السريرية في علاج فقر الدم.

نستشرف في الآفاق أيضًا تطبيقات مستقبلية لتثبيط سبيل HIF التي يبدو أنها ستساعد في تبطيء وتيرة تطور بعض أنواع السرطان التي تحرضها الطفرات في VHL، أحدها هو صاد معين لوظيفة EPAS1 الذي وصف سابقًا Kaelin وزملاؤه قدرته على تبطيء نمو الأورام في الخلايا التي تملك طفرة في VHL بالنماذج الحيوانية.

يمكن أن تساعد زيادة فعالية وظيفة HIF دوائيًا في علاج نطاق واسع من الأمراض، بعد أن تبين أن له دورًا أساسيًا في التأثير على الجهاز المناعي وتشكل الغضاريف والتئام الجروح. وبالعكس، تثبيط وظيفة HIF يحمل في طياته تطبيقات واسعة: ظهرت مستويات مرتفعة من HIF في أنواع عدة من السرطان وبعض الأمراض القلبية الوعائية، نذكر منها السكتات الدماغية والقلبية وفرط ضغط الدم الرئوي، هذا يعني أننا نقف على ناصية التطبيقات المحتملة لهذه الاكتشافات الحائزة على جائزة نوبل، نظرًا للأهمية الفائقة لاستجابة الخلايا والأنسجة والأعضاء لنقص الأكسجة بوصفها سبيلًا أساسيًا وهامًا للتكيف الفيزيولوجي لدى الحيوانات.

المصدر

إقرأ أيضًا: جائزة نوبل في الفيزياء لعام 2019

ترجمة راما الصوا ورضوان مرعي – تدقيق محمد العباسي

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى