"التاريخ ينحني" أمام كريستيانو رونالدو

"التاريخ ينحني" أمام كريستيانو رونالدو
"التاريخ ينحني" أمام كريستيانو رونالدو

من فتى نحيل إلى نجمٍ مثالي وأفضل هدّاف في تاريخ . هو الذي كتب تاريخه الخاص من خلال 760 صفحة مثّلت كل واحدةٍ منها هدفاً من أهدافه الكثيرة التي وضعته اليوم على عرش هدافي اللعبة الشعبية الأولى في العالم

يبدو أسوأ سؤال مطروح في عالم كرة القدم هو عن اللاعب الأفضل في التاريخ. سؤال لا يمكن الإجابة عنه إلّا بحذر، إذ إن كل نجمٍ من نجوم القرن الـ 21 تحديداً رسم هالةً خاصةً حوله من خلال مميزات استثنائية لم يعرفها لاعب آخر. والأكيد أن لا أحد يشبه النجم البرتغالي كريستيانو رونالدو الذي يصلح أن تكون قصته مع النجومية مسلسلاً عالمياً طويلاً يحمل نهاية سعيدة تماماً على غرار كل النهايات في المباريات التي حسمها «الدون» للفرق التي ارتدى ألوانها، إضافة إلى المنتخب البرتغالي.

760 هدفاً محَت رقم التشيكي – النمساوي جوزف بيكان الذي سجل بين الثلاثينيات والخمسينيات ما مجموعه 759 هدفاً، تماماً كما محا الـ«سي آر 7» رقم «ملك» كرة القدم بنظر الكثيرين، أي البرازيلي بيليه صاحب الـ 757 هدفاً رسمياً في مسيرته.

رقمٌ استثنائي بلا شك لرونالدو، لا لأنه حقق رقماً قياسياً وهو المعتاد على تحطيم كل الأرقام، بل لأن رقمه الجديد يأتي في العصر الحديث لكرة القدم، حيث أصبحت اللعبة أصعب بكثيرٍ مقارنةً بأيام بيكان وبيليه. كما أن هذا النجم المثالي لم يلعب من دون ضغوط أحاطت به من كل حدبٍ وصوب، وذلك بسبب دفاعه عن ألوان أندية أوروبية عريقة منذ رحيله عن سبورتينغ لشبونة البرتغالي، فكان مطالباً بالفوز أينما حلّ، وهي المسألة التي تحوّلت إلى هواية وتحدٍّ بالنسبة إليه، وجعلت منه نجماً لا يُقهر.

ويمكن إضافة سببٍ آخر للتأكيد على أهمية ما وصل إليه رونالدو، وهو أنه عاش ضغوطاً من نوعٍ آخر بفعل منافسة نجوم كثر له وعلى رأسهم الأرجنتيني ليونيل ، فانقسم العالم الكروي بينهما، وظهر رونالدو وكأنه يريد في كل مباراة أن يثبت أنه الأفضل، لتتحوّل هذه النقطة إلى نقطة قوة لديه وإلى نقطة مفيدة للفرق التي لعب لها.

لكن ما ذُكر سلفاً ليس الأسباب الوحيدة التي حوّلت رونالدو إلى «أسطورة» حيّة، فهو استمدّ دافعه من حياته التي كانت صعبة في صغره حيث عاش طفولة صعبة تراوحت بين الفقر وفقدانه لوالده في سنٍّ صغير، ما جعله يسعى بكل ما لديه من قوة للإيفاء بوعده عبر نقل عائلته من المصاعب إلى الرخاء. أضف أن النجم الذهبي استُبعد في مستهلّ مسيرته من الكثير من المباريات بسبب بنيته الجسدية الضعيفة، وهي المسألة الأساسية التي حوّلته إلى «وحشٍ» في الملاعب.

إذاً ما عاشه رونالدو كان بمثابة المحرك الذي وضعه بين أعظم لاعبي الكرة في العالم، فباتت الأرقام القياسية مرادفاً لاسمه، وكذلك الكؤوس والجوائز الفردية الكثيرة التي حصدها أينما ركل الكرة، فهو سيُعرف إلى الأبد بأنه أكثر لاعب قدّم مستوى ثابتاً لفترة طويلة في ملاعب كرة القدم، والأهم في بطولات مختلفة بأساليبها وفرقها وشكل المنافسة فيها.

أمرٌ ليس بالغريب عن رجلٍ لم يقبل يوماً أن يكون ضعيفاً حتى عندما فرض عليه جسده هذا الأمر، فانكبّ على التدرّب ليبني عضلاته المفتولة، ويُبقي بإصراره على لياقةٍ بدنية استثنائية استخدمها كسلاحٍ لمحاربة خصومه، وأضاف إليها سرعةً كبيرة بالكرة حتى بات تشبيهه بفهدٍ جائع يطارد طريدة، هو مسألة واقعية، إذ في كل مرّة تسلّم فيها الكرة ووجد المساحة للانطلاق بها كانت النتيجة النهائية شبه محسومة.

والنتيجة هذه طبعاً هي تسجيل الأهداف، لكن هذه المسألة لم تكن الهدف الأسمى لرونالدو بل إن البرتغالي بدا وكأنه يهوى التوقيع على الأهداف الجميلة حصراً، فبات من الصعب مثلاً نسيان تحفته المتمثلة بالتسديدة الخلفية التي سجّل من خلالها أحد أجمل أهداف مسابقة عبر تاريخها، وذلك عندما هزّ بقميص الإسباني شباك فريقه الحالي يوفنتوس الإيطالي في موسم 2017-2018.

لقطةٌ قابلها جمهور «اليوفي» وحارسه التاريخي جانلويجي بوفون بالتصفيق والإشادة، إذ ليس بالإمكان رؤية مشهد من هذا النوع كل يوم. لكن مع رونالدو كل شيء معقول، إذ إن أحداً لم يرشّح البرتغال للفوز بكأس أوروبا الماضية، لكن بوجود الـ «سي آر 7» فعلها البرتغاليون، وهم الذين كانوا يحتاجون إلى قائدٍ يجعلهم يؤمنون بأنهم من منتخبات الصف الأول في العالم، وإلى نجمٍ يعكس بقتاله الدائم على أرض الملعب دفعةً لكل زميلٍ في فريقه لتقديم الأفضل تماماً كما يفعل هو بالذات.

هو رونالدو الذي لا يحتاج إلى مدرب، والذي لا يحتاج إلى زميل لمساعدته، إذ إن المساعدة الأهم تأتي منه حصراً: من قدمه اليمنى القاتلة، ومن قدمه اليسرى الدقيقة، ومن رأسه الذي يدفعه للطيران وتسجيل الأهداف.

هو «أسطورة» حيّة بكلّ ما للكلمة من معنى، فيكفي أن نذكر أنه وصل إلى الـ 35 من العمر ولا يزال يلعب ويؤدّي على أعلى مستوى، لنعرف مدى عظمته. ويكفي أيضاً أن نرى فيه جوعاً دائماً للتسجيل والفوز، لنعرف أنه لم ينتهِ في الملاعب ولن ينتهي في وقتٍ قريب، وهذا من حسن حظ محبّي الكرة وسوء حظ من يطمح إلى منافسته على الأرقام التاريخية التي يحلّق بها يومياً.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى