"العربية.نت" بمسقط رأس الإمام محمد عبده.. هنا نشأ وتعلم

على بعد 150 كلم شمال غرب تقع قرية صغيرة تسمى "محلة نصر" تتبع مدينة شبراخيت الواقعة إداريا في نطاق محافظة البحيرة.

رغم صغر مساحة القرية وقلة عدد سكانها، إلا أنها اكتسبت شهرة خاصة لكونها مسقط رأس الإمام محمد عبده، مجدد الإسلام ورائد الإصلاح والتنوير.

الإمام واسمه الكامل محمد عبده حسن خير الله، ولد في العام 1849 بقرية حصة شبشير بمركز طنطا في محافظة الغربية، من أم مصرية وأب كردي، وفي العام 1866 التحق بالجامع الأزهر، وحصل على الشهادة العالمية في العام 1877.

عين قاضياً بمحكمة بنها، ثم انتقل إلى محكمة الزقازيق ثم محكمة عابدين، ثم تولى منصب مستشار في محكمة الاستئناف عام 1891، وفي 3 يونيو عام 1899 عين في منصب المفتي حتى توفي في العام 1905 متأثرا بإصابته بالسرطان.

المسجد الذي كان يصلي فيه ويلقى فيه دروسه وسمي باسمه

المنزل الذي عاش فيه محمد عبده

تجويد القرآن ودروس الفقه

ويروي نجيب توفيق علي عبده، حفيد شقيق الإمام، جانبا من تفاصيل حياته ويقول لـ"العربية.نت" إن الإمام تربى وعاش في قرية محلة نصر حيث توطن والده في القرية قادما من طنطا وفي القرية تلقى تعليمه الأولي في كتّابها، ثم أرسله والده بعد ذلك إلى الجامع الأحمدي حيث تعلم تجويد القرآن بعد حفظه، ودرس علوم الفقه واللغة.

في الإجازات الخاصة به من جامع السيد البدوي كان الشاب محمد عبده يأتي لقريته ويقوم بتعليم الأطفال في مدرسة صغيرة أنشأتها عائلته بجوار منزلهم، وفيها كان يعلم الأطفال والشباب مبادئ القراءة والكتابة وحفظ القرآن.

مدخل قرية محمد عبده

محمد عبده في شبابه

سرقات وجرائم ورذيلة

في ذلك الوقت من الزمن كانت المساجد قليلة في قرى مصر - وكما يقول حفيد شقيق الإمام - لاحظ الطالب محمد عبده انتشار السرقات وجرائم القتل وانتشار الرذيلة، فطلب أن يتم بناء مسجد يستطيع من خلاله تفقيه المواطنين وتعليمهم أصول دينهم، وبدأ بزاوية صغيرة في أرض فضاء كان يتم تجميع سكان القرية فيها للصلاه، ثم أصبح مكان هذه الزاوية مسجدا كبيرا حمل اسمه حتى الآن.

عقب الصلاة كان محمد عبده يشرح للمصلين أمور دينهم، ويوضح لهم عقوبة ارتكاب الجرائم والمنكرات وترك الصلاة، ورويدا رويدا قلّت الجرائم والرذائل، وبسبب ذلك ونتيجة لثمارها، ترسخت في ذهن محمد عبده فكرة ضرورة الإكثار من إنشاء المساجد في مصر.

مكان المدرسة التي كان يلقى دروسه فيها

ابن واحد و3 بنات

حسني نجيب أحد أحفاد شقيق الإمام يقول لـ"العربية.نت"، إن محمد عبده لم ينجب سوى ابن واحد توفي صغيرا، إضافة إلى 3 بنات تركن القرية منذ زمن بعيد، وأقمن في ودمنهور.

ويقول إن محمد عبده وعندما كان في الخامسة عشرة من عمره، أخبر والده أنه قد يترك الدراسة في الجامع الأحمدي بطنطا لكونه لا يستطيع أن يستوعب المقررات الدراسية أو نظم الدراسة التي كانت تعتمد على الحفظ والتلقين، ولذلك قرر أن يتجه إلى العمل في الزراعة، لكن والده أصر على مواصلة تعليمه، فرفض محمد عبده وفر هاربا إلى بلدة قريبة يتواجد فيها أخوال أبيه.

نجيب توفيق عبده حفيد محمد عبده

حسنى حفيد شقيق محمد عبده

ابراهيم قليقة أمام مسجد محمد عبده

ويضيف حسني قائلا "في تلك القرية التقى محمد عبده بالشيخ درويش خضر الذي كان له دور فاعل في تغيير مجرى حياة الإمام، حيث شرح له ما صعب عليه فهمه، وحببه في العلم، واستخدم معه طريقة الفهم وإعمال العقل ليعود محمد عبده من هناك إلى الجامع الأحمدي وينهل من فروع العلم ويشرح لزملائه ما صعب عليهم".

انتقل محمد عبده من الجامع الأحمدي إلى الجامع الأزهر عام 1865 وهناك درس الفقه والحديث والتفسير واللغة والنحو والبلاغة، وكانت الدراسة في الأزهر تعتمد على علوم الدين والفقه والتفسير والبلاغة، وتتوقف عند الظواهر والمتون، لكن محمد عبده تمرد على كل ذلك، وبدأ يسبح وحده بعيدا، فقد بحث أصول الإسلام وعلاقته بالحضارة، ثم عرج على فهم علاقة الدولة والدين.

استمر محمد عبده يدرس في الأزهر 12عامًا حتى حصل على العالمية، لكنه كان طالبا وباحثا متمردا، يثير غضب أساتذته ويجادلهم ويناقشهم بأفكاره التنويرية حتى وصفه زملاؤه بل وأساتذته بالمهياص الهجاص.

المنطقة التي يقيم فيها أحفاد عائلة الإمام

في تلك الفترة صدر كتاب ضد محمد عبده يحمل عنوان "كشف الأستار في ترجمة الشيخ الفشَّار"، وفي كتاب للدكتور سيد عبد الستار تحت عنوان" هؤلاء المثقفون وفكرهم الإصلاحي يكشف الدكتور سيد تفاصيل المعاناة التي واجهها محمد عبده لعرض فكره التنويري، مؤكدا أنه تعرض لحملات تشهير ومعارك عنيفة كادت تقضي على مستقبله، لكنه انتصر في النهاية وقدم للعالم فكره المستنير وصورة الإسلام الحقيقية حتى أصبح إمام المجددين للفكر الإسلامي ورائد التنويريين في العام العربي.

نشر التعليم

ويقول الشيخ إبراهيم قليقة إمام مسجد الإمام محمد عبده بالقرية، إن الشيخ تأثر كثيرا بالشيخ حسن الطويل الذي حركت دروسه في الشيخ محمد عبده غريزة البحث في العلوم المختلفة، ولذلك كان الإمام المجدد ضمن تيار إصلاحي في مصر يهدف إلى نشر التعليم الصحيح بين أفراد الشعب، والتدرج في إحداث تغيير فكري حتى لا تحدث هزات ثقافية تؤدي للتشتت وضياع الهوية.

في شيخوخته

إمام مسجد محمد عبده يؤكد لـ"العربية.نت" أن قرية الإمام يوجد بها مسجد ومكتبه يحملان اسمه، مضيفا أن هناك أراضي تابعة للأوقاف تبلغ مساحتها نحو 700 متر، وعرض اقتراح منذ عام 1990 بأن يقام عليها مركز ثقافي وتعليمي وتربوي وطبي يحمل اسم الإمام ويليق به ويخلد ذكراه لكن حتى الآن لم يحدث شيء.

ويطالب إمام مسجد محمد عبده بأن يتم جمع كتب ومؤلفات ومقتنيات الإمام وعرضها في ذلك المركز لو أقيم ليصبح متحفا يقدم للعالم كله أفكار وتاريخ وسيرة حياة عبقري التنوير في القرن التاسع عشر.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى