فلسطين | في الخامسة والستين... أنت مثل سيارة عتيقة خربة..عادل الأسطة

فلسطين | في الخامسة والستين... أنت مثل سيارة عتيقة خربة..عادل الأسطة
فلسطين | في الخامسة والستين... أنت مثل سيارة عتيقة خربة..عادل الأسطة

الأحد 18 نوفمبر 2018 09:07 ص / بتوقيت +2GMT




مرة خربشت على صفحة الفيس بوك الخاصة بي خربشات تحت عنوان "في الخامسة والستين. أنت مثل سيارة عتيقة خربة".
كنت في العام 2009 فحصت دمي لأعرف إن كنت مصابا بداء السكري.
لقد بدأت أعاني من قلة النوم من العام 2002 منذ اشتد الحصار في انتفاضة الأقصى، وفي العام 1997 كنت أشتري علبة التين الخرتماني وأجهز عليها، وكنت حين أسافر إلى رام الله أشتري زجاجة ماء من حجم لتر ونصف واشربها كلها، وأفعل الشيء ذاته في العودة. لم أنتبه إلى أن هذه علامة من علامات الإصابة بالسكري.
أعود بذاكرتي إلى العام 1991.
كنت في ورطة حقيقية كما لو أنني في حرب. أصحو مبكرا وأغادر، بعد شرب القهوة، إلى مقهى وسط المدينة وأشتري الحلوى وألتهمها وأشرب ثانية القهوة المحلاة. هل أصبت يومها بالسكري دون أن أعرف.
في آذار من 2008 او2009 كنت في المحاضرة وكدت أقع فوجب أن أجري الفحوصات.
أول فحص للكشف عن داء السكري كانت نتيجته بعد صيام (255). أفطرت وفحصت بعد ساعتين فصارت النتيجة (370) تقريبا، ومن يومها أخذت أنتبه إلى صديقي الجديد.
كل ما سبق لا أهمية له، ولكنني أدركت أنني صرت مثل سيارة عتيقة خربة تحتاج دائما إلى فحص سنوي، وإلى اهتمام أكثر، حرصا على حياة السائق والركاب.
في التاسعة والخمسين كنت أسير مع زميل لي بلغ الخامسة والستين وجاءه كتاب إنهاء عمله. عرجنا معا على مكتب مدير الموظفين ليسأل عن مدخراته وأشياء أخرى، فاستلهمت من الحادثة موضوعا أكتب فيه، وكتبت مقالا طريفا عنوانه "مثل غريغوري..هكذا أنا في الخامسة والستين" و(غريغوري) من شخصيات (فرانز كافكا) في قصته "المسخ"، وهو عامل يقرر ألا يذهب إلى العمل لأنه تحول إلى حشرة. والقصة ذات دلالة رمزية: وأنت قوي وتعمل يحترمك صاحب العمل وأمك وأبوك، وحين تمرض يتخلى عنك هؤلاء.
في صباح السبت الموافق 10 تشرين الثاني تذكرت هذا كله.
الطريق من شرق المدينة إلى وسطها تعاني من أزمة مرور نجم عنها صعوبة في نقل الركاب، وهكذا وجب علي أن أسير، وغالبا ما أخذت، منذ اكتشفت السكري، أمارس عادة المشي أكثر فأكثر.
يوم الجمعة، تناولت الغداء في بيت أختي المصابة أيضا بالسكري: مقلوبة بالبطاطا والجزر والباذنجان، وفوق هذا كله الحلوى، ولما فحصت بعد ساعتين كانت النتيجة (347)، فحمدت الله على ارتفاع الأسعار، وصمت إضرابا، وواصلت، في اليوم الثاني، المشي، لتنخفض الأسعار إلى (163).
أنا أصدق الألمان.
مرة كنت أشاهد برنامجا على الفضائية الألمانية عن علاج السكري. حين تصاب البنكرياس بالخلل تصبح مثل ماسورة صدئة تحتاج إلى دقها أولا، ويحتاج المصاب بالسكري إلى المشي وإلى أن يضع شريطا على فمه - أي الحمية، فالأدوية ومنها الأنسولين تخفض السكر بنسبة 20 بالمائة، وهي بقدر ما تفيد تؤذي.
كل ما سبق لا أهمية له.
في صباح السبت الموافق 10 تشرين الثاني، قررت أن أمشي وسلكت طرقا قديمة ومررت على نبع عسكر البلد، وهنا تكمن الحكاية.
نظرت إلى شجر التين علني أجد بعض ثمار فوجدت. هناك التين العدلوني الذي يعطي في وقت متأخر. تناولت أربع حبات ولاحظت الحليب الفج، ولما كنت قريبا من النبع قلت أغسل يدي وأرى دارَ مَيّة وما فعلت بها الأيام. قلت أقف على الأطلال. وهكذا عدلت في التشبيه "في الخامسة والستين أنت مثل نبع عسكر".
لنبع عسكر ذكريات كثيرة غالبا ما تقترن بالصبا والشباب والريفي واللاجئ والجشع والأثرة وأشخاص لا ينسون.
من هؤلاء أبو محمد الذي كان يحول بيننا وبين المياه التي كنا بحاجة إليها إذا ما نفدت مياه الحواويز في المخيم، أو إذا قرر المسؤول أبو عوض قطعها.
كان علينا أن نذهب إلى النبع، لنعبئ تنكتي الماء اللتين نحملهما على أكتافنا بواسطة حمالة.
وغالبا ما كان أبو محمد يعترضنا، فهو يريد أن يبيعها بواسطة جالوناته التي يحملها حماراه.
أحيانا كنا نغافله ونصل إلى النبع فننهل الماء العذب الصافي ونعود ظافرين. الآن تبدو عين الماء وكأنها تقول لنا إن هناك من سبقنا فشرب الماء العذب الصافي، وتركنا نشرب الكدر والطين. أتذكر الشاعر الجاهلي وأضحك: 
"ونشرب - إن وردنا الماء - صفوا /  ويشرب غيرنا كدرا وطينا"
أتأمل المكان. الآن يبدو مختلفا تماما. من قبل كان ثمة بيوت قليلة وشجر تين كثير. الآن تبدو الأمور مختلفة ومعكوسة. ثمة بيوت كثيرة وشجر قليل ولم يبق من شجر التين الخرتماني والعدلوني إلا بضع شجرات. حتى رائحة التراب والطابون وروث الغنم ما عادت تقول إن المكان كان قرية ريفية بسيطة. ولولا بقايا البيوت لقلت إن المكان ليس هو المكان الذي عرفته جيدا قبل أربعين عاما. (غالبا وأنا أنظر في التغيرات التي تحدث في محيط نابلس، غالبا ما أتذكر رواية السوري خالد خليفة "لا سكاكين في مطابخ هذي المدينة "والوصف الذي كتبه عن تغيرات مدينة ، وتحديدا ما ألم بسهل الخس فأقول: حدث في سهل الخس المحيط بنابلس الشيء نفسه).
أقف على الأطلال ولا أعب من الماء بيدي لأشرب، فثمة سواد يجعلك تشعر بالخوف من فيروسات لوثت المكان وما يحيط به.
أمشي. أمشي لأحرق فائض السكر ولأسلك طرقا قديمة.
هل قرأت عين الماء قصيدة محمود درويش وهو في بيت أمه؟
حين زار، بعد عودته، بيت أمه رأى صورته شابا - أي قبل ثلاثين أربعين عاما، فتخيل الصورة تسأله: أأنت يا ضيفي أنا؟
هل سألتني عين الماء السؤال نفسه؟ وأنا أدرك أنني أنا لست ذاك الذي كان.
أواصل السير مشيا وأتأمل. كان ثمة أزمة سير في شارع عمان المؤدي إلى وسط المدينة، شارع شق في 50 القرن العشرين ولم تكن تسير عليه في حينه سوى سيارات قليلة. الآن ضاق الشارع بالسيارات.
في الخامسة والستين أنت مثل سيارة عتيقة خربة. لا جدال ولا نقاش ولا فياغرا ولا مميع دم ولا مهدئ أعصاب (ليركا). لا شيء. لا شيء يعيد الشيخ إلى صباه فثمة خراب في الروح. ثمة هزائم كثيرة؛ وطنية وقومية وشخصية.
في الخامسة والستين أنت مثل سيارة عتيقة خربة.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى